تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
سبحانك ما عرفناك حق معرفتك وهذا التحير عين المعرفة كما قيل العجز عن درك الإدراك إدراك ونسبه بعضهم إلى الصديق الأكبر رضي اللّه تعالى عنه فهذا التحير الناشئ من المعرفة تحير الكاملين المكملين ونسبة التحير إلى العقول مجاز لكونها منشأ له وهذا التحير غير التحير الذي هو معنى وله كما ستطلع عليه والتحير المذكور لكونه سببا للعبادة قدمه على ما بعده لمناسبته لما قبله . قوله : ( أو من آلهت إلى فلان ) أي وقيل اشتقاقه من آلهت إلى فلان ( أي سكنت إليه ) سكن بمعنى استأنس وعدم الاضطراب وأما سكن فيه فلا يناسب هنا ولهذا قال سكنت إليه احترازا عن سكنت فيه . قوله : ( لأن القلوب تطمئن بذكره تعالى ) أي علة لكون الإله مشتقا من آلهت إلى فلان وقد عرفت أن الكلام في الاشتقاق الصغير وهذا لا يفيده فلا بد من التزام أحد الأمرين إما تعميم الاشتقاق إلى الصغير والكبير أو تعميم المعنى المعتبر في الاشتقاق الصغير إلى المعنى المطابقي والالتزامي وكلاهما خلاف الظاهر ولهذا مرضه أيضا ومعنى الاطمئنان الأنس به والاعتماد عليه والرجاء منه أو بذكر رحمته بعد القلق من خشيته أو بذكر دلائله الدالة على وجوده ووحدانيته أو بكلامه أي القرآن الذي هو أقوى المعجزات كذا قاله المص في سورة الرعد والمعنى الأول هو المناسب هنا كما يؤيده قوله في سورة الفجر النفس المطمئنة هي التي اطمأنت بذكر اللّه فإن النفس تترقى في سلسلة الأسباب والمسببات إلى الواجب لذاته « 1 » وتستقر دون معرفته وتستغني به عن غيره انتهى . فالمراد بذكر اللّه معرفته كما أشار إليه بقوله ( والأرواح تسكن إلى معرفته تعالى ) أي من الاضطراب الحاصل من الترقي في سلسلة الأسباب والمسببات بمعرفته واطمئنان النفس والقلب مجاز كما في الأساس إلا أنه شاع حتى صار ملحقا بالحقيقة في استقرارها بزوال القلق والاضطراب فلو قال لأن القلوب لا تطمئن إلا بذكره والأرواح لا تسكن إلا بمعرفته إشارة إلى الحصر كما في قوله :
أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ
[ الرعد : 28 ] لكان أولى والقصر المستفاد من تقديم المسند إليه على الخبر الفعلي لا يفيد الحصر المطلوب هنا ثم المراد بالقلب هنا الروح وجملة والأرواح الخ . تفسير لما قبلها على سبيل الترتيب الأرواح ناظرة إلى القلوب والسكون إلى الاطمئنان والمعرفة إلى الذكر وهذا ترتيب أنيق وسبك رشيق قيل ثم إن جريان هذين الوجهين في المعبودات الباطلة باعتبار إن عبدتهم تحير فيها عقولهم القاصرة وسكن إليها قلوبهم القاسية انتهى وهذا إنما يحتاج إليه إذا كان المقصود بيان اشتقاق إله منكرا كما اختاره البعض أو اشتقاق الإله معرفا بلا اعتبار الغلبة وأما إذا كان المراد بيان اشتقاق لفظة اللّه كما هو الظاهر وهو مختار مولانا منلا خسرو فلا يحتاج إلى
هامش
( 1 ) قوله وتستقر دون معرفته أي عندهما ومن لوازم هذه المعرفة التسليم له منقادا بزمام الطاعة والصبر على البلية والسكونة تحت أمره وقضائه ويزول اضطرابها بسبب معارضة الشهوات والكدورات وح تصل الروح بنور المعرفة إلى مستقرها في مقعد صدق اللهم اجعلنا من الواصلين ولا تجعلنا من المحجوبين .