يعني : إن الصوفية المحققين مظاهر الحق في أسمائه وصفاته وأفعاله ؛ فمجالسهم مجلس الحق ؛ لأنه تعالى لم يره أحد إلا في صورة إنسانية سواء كان في المنام ؛ كما وقع لكثير من السلف ، والخلف ، وفي اليقظة كما صحّ عن الأصفهاني في التفسير : أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لقى ربه في بعض سكك المدينة ، وذلك أنه تعالى من حيث تجرّد ذاته عن النسب ، والإضافات ، ليس من شأنه أن يعرف فضلا عن الرؤية .
وفي قوله عن « السلطان ظل اللّه » إشارة إلى أن السلطان الظاهر ظل الحقيقة الإلهية التي كان القطب ونحوه مظهرا لها ، فإذا لم يرخّص في إفشاء سرّ السلطان الظاهر ، ومجلسه أمانة صغرى ، فكيف يرخّص في إفشاء سرّ السلطان الباطن ، ومجلسه أمانة كبرى .
فإن قلت : كيف لا يرخّص والكل عباد اللّه ؟ .
قلت : نعم ؛ لكنهم متفاوتون في الأسماء والأحكام ، فيخفي سرّ اسم عن اسم من حيث إن كلّا منهما ظاهر بما لا يقتضيه الآخر ، فلا معنى لكشف سرّ العالم عند
هامش
- وقال : إذا أراد اللّه تعالى بالعبد خيرا أوقعه على الصوفية ومنعه صحبة القراء .
وسئل الجنيد قدّس اللّه سرّه عن التصوف ما هو ؟ فقال : اجتناب كل خلق دنيّ ، واستعمال كل خلق سنّي ، وأن تعمل للّه ، ثم لا ترى أنك عملت .
وقيل لبعض المتكلمين : قد ذكرت الطوائف ، وعارضتهم ، ولم تذكر الصوفية ! فقال : لم أعرف لهم علما ولا قولا ، ولا ما راموه ؟ قيل : بل هم السادة ، وذكروا له الجنيد ، ثم أتو الجنيد فسألوه عن التصوف ؟
فقال : هو إفراد القديم عن الحدث ، والخروج عن الوطن ، وقطع المحاب ، وترك ما علم أو جهل ، وأن يكون المرء زاهدا فيما عند اللّه ، راغبا فيما للّه عنده ، فإذا كان كذلك حظاه إلى كشف العلوم ، والعبارة عن الوجوه ، وعلم السرائر ، وفقه الأرواح . فقال المتكلم : هذا واللّه علم حسن ، فلو أعدته حتى نكتبه .
قال : كلا ، مر إلى المكان الذي منه بدأ النسيان ، وذكر فصلا طويلا . فقال المتكلم : إن كان رجل يهدم ما يثبت بالعقل بكلمة من كلامه فهذا ؛ فإن كلامه لا يحتمل المعارضة .
قال الجنيد : الصوفية أهل غيب ، لا يدخل فيهم غيرهم .
وانظر : كتابنا الإمام الجنيد سيد الطائفتين ( ص 239 ) بتحقيقنا .