تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 664

مساهمون:

ص٦٦٤
إلى الفداء الروحاني ، والفيض الرحماني ، فإن الأغذية الجسمانية ؛ إنما هي وسائل للتربية الروحانية ، فالأغذية الروحانية أصل الأغذية ، وفي نمائها نماء الأغذية الجسمانية ؛ لأن نمائها ؛ إنما هو من طهارة القلب والقالب . وقد ورد : « دم على الطهارة ؛ يوسّع عليك الرزق » « 1 » : أي دم على الطهارة الصورية ، والنظافة الجسمانية من النجاسات الحقيقية يوسّع عليك الرزق الجسماني ، وعلى الطهارة المعنوية ، والنظافة الروحانية من النجاسات الحكمية ؛ يوسّع عليك الرزق الروحاني ، فمن ضاق عليه الرزق مطلقا ، فليكن على الطهارة مطلقا دائما . وأشار بإنساء الأثر محركة : أي تأخيرا لأجل الحياة الطيبة الباقية ؛ فإنها العمر الثاني ، وأهلها الموصول لا المقطوع ؛ ولذا قال تعالى :
إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ
[ الكوثر : 3 ] : أي المقطوع نسله ، فإن البغض للروح يورّث الكسل ، وفي الأعمال الصالحة الروحانية ، والرواج للأعمال الفاسدة النفسانية . ولا شك أن النفس وما يتعلّق بها من الأعمال السيئة أبتر لا نماء لها عند اللّه ؛ كالروح وأعماله ، فإن النماء ، إنما يكون للطيب لا للخبيث ؛ ولذا قال تعالى :
وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً
[ الأعراف : 58 ] . ومن آثار هذا المقام أن أهل اللّه لم يزالوا محبوبين إلى يوم القيامة ، وآثارهم باقية معمولة مدّ الدهر ، وإن الذين توغّلوا في إنكارهم ؛ لم يزالوا مبغوضين إلى ساعة القيام ، وآثارهم مندرسة مهجورة ؛ لأن الحق يعلو ، ولا يعلى ، والباطل يعلى ، ولا يعلو ، فطوبى لأهل الحق ، وويل لأهل البطلان ، واللّه تعالى متمّ نوره .

57 - في حديث القضاعي : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « المجالس بالأمانات » « 2 » :

أورد المجالس بصيغة الجمع ، وقابله بالجمع أيضا إشارة إلى كثرة المجالس ، وكثرة الأمانات ، فلكل مجلس أمانة ، ولكل أمانة محافظة ومراعاة ، وقد صحّ عن الصحابة أنهم أخذوا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم علمين : علم الشرائع والأحكام ، وعلم الحقائق والأذواق .
هامش
( 1 ) ذكره المناوي في فيض القدير ( 4 / 273 ) . ( 2 ) رواه القضاعي في الشهاب ( 1 / 37 ) .