وقد ورد : « إن الفقر سواد الوجه في الدّارين » « 1 » : أي الفقر الحقيقي سبب سيادة صاحبه في الدنيا والآخرة ، ومن هذا السواد : سواد الحجر الأسود ؛ لأنه ساد الأحجار كلها بالتعظيم والتقبيل ، فلو سأل الغني المذكور الناس أموالهم ؛ كان ذلك من بعض الشهوات ، وبيت الشهوة التي لا بد لكل طبع منها حار ؛ ولذا غلّقت أبواب النار بدخول شهر رمضان : أي أبواب الشهوات ، فأكلت المعدة بعضها بعضا من فقدان المأكول ؛ كما تأكل النار بعضها بعضا من فقدان الحطب في الدنيا ، ومن فقدان الناس في الآخرة .
فمن تبع حرارة الشهوة ، ولم يكتم حاله عن المحجوبين ؛ بل سأل أموالهم ؛ ليدفعها بالمرطّبات ، ويبرّدها بالمشروبات ؛ جوزي بزيادة الحرارة ؛ لأن الدنيا ؛ كالماء
هامش
-فأنت في الأرض بالفحار مشتبه * ما أسرع الكسر في الدنيا لفخارتحقيق : جواهر معاني الزمان أنفس من أن تضيعها في الهذيان ، فياللّه العجب ممن عمره انقضى وذهب في جمع الفضة والذهب ، وهو بما جمع فقير ليس له نصير .ومن ينفق الساعات في جمع ماله * مخافة فقر فالذي فعل الفقرتدقيق : من أفقر إلى اللّه استغنى به عن كل شيء ، ومن استغنى عنه افتقر إلى كل شيء ، ومن افتقر إلى كل شيء ، فقد أوحشه كل شيء ، ولم يتعوض عن اللّه بشيء من كل شيء .لكل شيء إذا فارقته عوض * وليس للّه إن فارقت من عوضتحقيق : خاصية مغناطيس فقر الذات هي الجاذبة للعطايا والهبات ، فمن كان وصف افتقاره أكثر كان نصيبه أجزل وأكبر .
تدقيق : اختصاص الفقراء بالسؤال خصوصية لهم في الحال والمآل ، يعرفها من وجد ثمر المطالب ، وقضيت له الحاجات والمآرب .
تحقيق : اتّصاف الرب سبحانه بوجود الغنى المطلق ، هو الذي أوجب لنا الفقر المحقق ، وبهذا الاتصاف حصلت الألطاف ؛ لأن من رحمة الغني أن يجود على الفقير ، ويجبر المسكين الكسير .
تدقيق : ما أتى باب الغني الكريم فقير فخاب ، ولا قصد حماه فغلق دونه الأبواب .
( 1 ) تقدم تخريجه .