سورة الحجر
قال اللّه تعالى :
رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ
[ الحجر : 2 ] .
اعلم أن ( ربّ ) « 1 » مثقلة أو مخفّفة إذا دخلت على المضارع تكون للتقليل ، فقال المفسرون : معنى قلة ، وداوتهم أنهم كالسكارى من ورود الشدائد الكثيرة المتعاقبة ، فإذا صاروا إلى أنفسهم ، ورجعوا إلى عقولهم ، تمنوا ذلك ، وإلا كان من شأنهم أن يتمنوا ذلك في جميع أوقاتهم ، لا في بعض الأحيان .
ولي فيها وجهان آخران :
إن قلة الودادة راجعة إلى الزمان الأخروي ، وذلك بعض من مطلق الزمان ، فإن الدنيا يوم ، والآخرة يوم ، كما دلّ عليه قوله تعالى :
وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ
[ الحشر : 18 ] .
فهم إنما يتمنون ذلك في الآخرة ، وزمانها بعض من مطلق الزمان ، كما ذكرنا آنفا ، وكأنه تعالى يقول : إنهم لا يقصدون الإيمان في الدنيا ؛ لانغماسهم في الغفلة ، واستحبابهم الحياة الدنيا ، فإذا كانوا في الآخرة التي هي كالغد للدنيا تمنّوا ذلك ، فيكون ( ربّ ) للتقليل بالنسبة إلى اليوم الثاني .
فإن قلت : كيف يكون يوم الآخرة قليلا مع أنه أطول من يوم الدنيا ؟
قلت : المراد البعض مطلقا ، أو هو راجع إلى معنى آخر يعرفه أرباب الحقائق .
والوجه الثاني : إن ( ربّ ) هاهنا بالتحقيق لا بالتقليل ، وإن دخلت على
هامش
( 1 ) قال الأزهري : قرأ نافع وعاصم : ربما مخففة مفتوحة الباء ، وقال الأعشى عن أبي بكر عن عاصم : ربما بضم الباء مخففة ، وقرأ الباقون :رُبَمامفتوحة الباء مشددة ، وقال علي بن نصير : سمعت أبا عمرو يقرؤها على الوجهين جميعا : خفيفا وثقيلا .
قال أبو منصور : العرب تقول : ربّ رجل جاءني ، ويخففون فيقولون : رب رجل .
ويقولون : ربما وربّما ، مخففا ومثقلا ، ولغة أخرى لا تجوز القراءة بها : ( ربّتما )
ورُبَماوربما يوصلان بالفعل ، ورَبِّ *ورَبِّ ، *يوصلان بالأسماء ، تقول : ربّ رجل أصبت ، وربما جاءني زيد ، وإنما زيدت ( ما ) مع ( ربّ ) ليليها الفعل ، وكل ذلك من كلام العرب أنه أخبر بذلك عن إخبار اللّه بالفعل عن نفسه ، ونصب الملائكة بتعدي الفعل إليهم . وانظر : معاني القراءات ( ص 239 ) بتحقيقنا .