تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 244

مساهمون:

ص٢٤٤
سوى اللّه في القلب ، وتمكّنه فيه ، فلا بد من سدّها بعض العين ، وعدم الالتفات إلى الدنيا وزخارفها . وقد ابتلى أكثر الناس في هذا الزمان بعرض الزين ، وكذا بمدّ العين ، فضلّوا وأضلّوا ، وكانوا من أعوان الشيطان ، ونوّابه في إضلال من يستحب الحياة الدنيا على الآخرة بخلاف غيره ؛ وهو من يستحب الآخرة على الدنيا ؛ وهم أهل الآخرة الذين كانت الدنيا حراما عليهم ؛ أي منعوها عن أنفسهم منع الحرام ، وكذا من يستحب اللّه تعالى عن الدّارين ؛ وهم أهل اللّه الذين كانت الدنيا والآخرة حراما عليهم ؛ بمعنى انهم عملوا للّه بأبدانهم ؛ لكن اشتغلوا بربهم عن الالتفات إلى أعمالهم ، فإن الشيطان لا يحوم حولهم . والحاصل : إن عباد اللّه منهم المخلصون بكسر اللام ؛ وهم الصادقون ؛ بمعنى انهم تخلّصوا عن شوائب النفسانية في أعمالهم وأحوالهم ، وهم على خطر في الجملة لبقاء شيء من نفوسهم . ومنهم المخلصون بالفتح ؛ وهم الصدّيقون ؛ بمعنى أنهم تخلّصوا عن شوائب الغيرية ، كما تخلّصوا عن شوائب النفسانية . فهم فانون عن نفوسهم ، باقون بربهم لا يد للشيطان عليهم أصلا ؛ لأن الشيطان إنما يخدم النفس ؛ لأنها الأصل في الفساد ، فإذا كانت حركات عن صفاتها الرذيلة ؛ عزل الشيطان نفسه عن تلك النفس المطمئنة ؛ لأن النور والظلمة لا يجتمعان . ولقد غلب عاصم على غيره من القرّاء في قراءة الفتح ، وللّه درّه معرفة ، فإن المستثنى من العباد ؛ إنما هو هم لا غيرهم ، وإن كان غيرهم أيضا ممن يتذكّر ويبصر ؛ لكن أين المخلط من غيره ، فإنه ما دامت بقيّة من النفس ؛ فصاحبها غير محفوظ بالكلية ، وقد عرف بين الأولياء إن الكمّل محفوظون ؛ بل معصومون إلا أن العصمة تقال في الأنبياء ، والحفظ في الأولياء فرقا بين المقامين . قال اللّه سبحانه :
فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ
[ الحجر : 65 ] . يشير إلى لوط : الروح ، وأهله : قواه ، فإن المؤمن يستأنس بالمؤمن ، والجنس إلى الجنس يميل ، والليل إشارة إلى ليل الجلال المقتضي للفناء المنتهى إلى الجمال المستلزّم