تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مرآة الحقائق — صفحة 242

مساهمون:

ص٢٤٢
المضارع ، وذلك أنها إذا دخلت على المضارع الذي يقتضي الزمان فحكمها حكم ما دخلت على الماضي . كما في ( قد ) الواقعة في قوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ
[ النور : 63 ] ، [ الأحزاب : 18 ] ، فإن اللّه تعالى لا يجري عليه زمان ، فعلمه ليس بمقيّد بواحد من الأزمنة ، بل هو عالم في جميع الأزمنة على سواء على التحقيق ، وكذا الآخرة لا يجرى عليها زمان ؛ لأنه لا ليل ولا نهار هناك إلا بالاعتبار ، فهما الليل والنهار حكما لا حقيقة . ف ( ربّ ) هاهنا ك ( قد ) الداخلة على المضارع الذي لا يقتضي الزمان ، فيكون المراد تحقق وداوتهم لا تقليلها ، وفي إيرادها على المضارع نوع تهكم بهم ، كما يقتضيه الذوق الصحيح . ودلّ على ما ذكرنا قوله تعالى :
قَدْ يَعْلَمُ ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ
[ النور : 64 ] ، فإنهم إذا كانوا مستمرين على ما هم عليه ، فعلمه تعالى به مستمرّا أيضا على أن العرب يقول في صورة الأطماع ربما يكون ، فإنه يوده في صورة الاحتمال ، والمراد القطع . ويظهره قوله تعالى :
اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى
[ المائدة : 8 ] ، فإنه جعل العدل أقرب للتقوى من سائر الصفات مع أنه من نفس التقوى ؛ لأن في العدل حذرا وتوقيا عن الظلم ، وكذا في سائر الطاعات ، فإن فيها كلها احترازا عن المعاصي ، وقولهم يشبه أن يكون هذا من هذا الباب من ذلك القبيل ونحوه قول المعجم شادمان : إذ ليس المقصود التشبيه ، بل الإخبار عن الفرح والسرور ، وربما يكون المراد بالاحتمال الإشارة إلى عدم الوقوع إذا كان هناك قرينة ، كما إذا كان القائل غير معروف بالكرم وصدق الوعد ، وأما الوعيد فهو عند أهل التحقيق يجري فيه الخلف ، وإن كان بطريق القطع والتحقيق ؛ لأنه من باب الكرم عند العرب ، بخلاف الخلف في الوعد ، والفرق أن في خلف الوعد ضرر الجانب الموعود ، وأما في خلف الوعيد فنفع للمتوعد ، واللّه يفعل ما يشاء . وقد قال تعالى :
وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ
[ الزمر : 47 ] ، فربّ خصم يجد الخصم مصالحا يومئذ ، وربّ منكر عمله على الإقرار ما بدا له من خلاف عقيدة في الدنيا .
مرآة الحقائق — صفحة 242 | أحمد فريد المزيدي / الشيخ اسماعيل حقي البروسوي