« رَهْبَةً » .
مصدر رهب المبنيّ للمفعول . كأنّه قيل : أشدّ مرهوبيّة . فإن قلت : كأنّهم كانوا يرهبون من اللّه حتّى يكون رهبتهم منه أشدّ ! قلت : معناه أنّ رهبتهم في السرّ منكم أشدّ من رهبتهم من اللّه التي يظهرونها لكم . وكانوا يظهرون لهم رهبة شديدة من اللّه . ويجوز أن يريد أنّ اليهود يخافونكم في صدورهم أشدّ من خوفهم من اللّه . لأنّهم كانوا قوما أولي بأس ونجدة فكانوا يتشجّعون لهم مع إضمار الخيفة في صدورهم .
« لا يَفْقَهُونَ » :
لا يعلمون اللّه وعظمته حتّى يخشوه حقّ خشيته . « 1 »
[ 14 ]
[ سورة الحشر ( 59 ) : آية 14 ]
لا يُقاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ ( 14 )
« لا يُقاتِلُونَكُمْ »
معاشر المؤمنين
« إِلَّا فِي قُرىً مُحَصَّنَةٍ » ؛
أي : حصينة . يعني أنّهم لا يبرزون لحربكم وإنّما يقاتلونكم متحصّنين بالقرى .
« أَوْ مِنْ وَراءِ جُدُرٍ » ؛
أي : يرمونكم من وراء الجدر بالنبل والحجر . ابن كثير وأبو عمرو : « جدار » على التوحيد .
« بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ » ؛
أي : عداوة بعضهم لبعض شديدة . يعني أنّهم ليسوا بمتّفقي القلوب . وقيل : معناه : قوّتهم فيما بينهم شديدة . فإذا لاقوكم ، جبنوا وخافوكم من الرعب الذي قذفه اللّه في قلوبهم .
« تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً » ؛
أي : مجتمعين في الظاهر
« وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى » :
مختلفة متفرّقة . خذلهم اللّه باختلاف كلمتهم . وقيل : عنى المنافقين وأهل الكتاب .
« لا يَعْقِلُونَ »
ما فيه الرشد ممّا فيه الغيّ . « 2 »
« قُرىً مُحَصَّنَةٍ » .
أي بالخنادق والدروب .
« لا يَعْقِلُونَ »
أنّ تشتّت القلوب ما يوهن قواهم ويعين على أرواحهم . « 3 »
« بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ » ؛
أي : ليس ذلك لضعفهم وجبنهم ، فإنّهم يشتدّ بأسهم إذ حارب بعضهم بعضا ، بل قذف اللّه في قلوبهم الرعب ولأنّ الشجاع يجبن والعزيز يذلّ إذا حارب اللّه ورسوله . « 4 »
هامش
( 1 ) - الكشّاف 4 / 507 .
( 2 ) - مجمع البيان 9 / 396 و 394 .
( 3 ) - الكشّاف 4 / 507 .
( 4 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 482 .