القطّ : القسط والنصيب . ويقال لصحيفة الجائزة قطّ لأنّها قطعة من القرطاس . يعني :
يقول هؤلاء الكفّار على وجه الاستهزاء : عجّل لنا نصيبنا من العذاب قبل يوم الحساب . كما قال :
« وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ » . *
« 1 » و [ قيل : معناه : ] أرنا حظّنا من النعيم في الجنّة في الآخرة حتّى نؤمن . وقيل : لمّا نزل :
« وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ »
« 2 » قالت قريش : زعمت - يا محمّد - أنّا نؤتى كتابنا بشمالنا فعجّل لنا كتبنا التي نقرؤها في الآخرة ، استهزاء منهم بهذا الوعيد . فقال سبحانه :
« اصْبِرْ »
يا محمّد
« عَلى ما يَقُولُونَ »
من تكذيبك . فإنّ وباله يعود عليهم .
« وَاذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الْأَيْدِ » ؛
أي : القوّة على الأعداء والتمكين العظيم . لأنّه كان ينام حول محرابه ألوف كثيرة من الرجال . وقيل : أي : القوّة على العبادة . كان يقوم نصف اللّيل ويصوم نصف الدهر .
« إِنَّهُ أَوَّابٌ » ؛
أي : توّاب يرجع عن كلّ ما يكرهه اللّه إلى ما يحبّ . فإن قلت : كيف تطابق قوله :
« اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ »
وقوله :
« وَاذْكُرْ عَبْدَنا »
حتّى عطف أحدهما على صاحبه ؟ قلت : كأنّه قال لنبيّه : اصبر على ما يقولون وعظّم أمر معصية اللّه في أعينهم بذكر قصّة داوود وهو نبيّ من أنبياء اللّه أولاه اللّه النبوّة والملك ثمّ زلّ زلّة فبعث إليه الملائكة وو بخّه حتّى استغفر وأناب ووجد منه ما يحكى من بكائه الدائم ونقش جنايته في بطن كفّه .
فما الظنّ بكم مع كفركم ومعاصيكم ؟ أو قال : اصبر على ما يقولون وصن نفسك وحافظ عليها أن تزلّ فيما كلّفت من مصابرتهم وتحمّل أذاهم . واذكر أخاك داوود كيف زلّ تلك الزلّة اليسيرة فلقي ما لقي . « 3 »
[ 18 ]
[ سورة ص ( 38 ) : آية 18 ]
إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ ( 18 )
« يُسَبِّحْنَ »
إذا سبّح . ويحتمل أن يكون اللّه سبحانه خلق في الجبال التسبيح ، أو بنى فيها بنية يتأتّى فيها التسبيح .
« بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ » ؛
أي : بالرواح والصباح . قال البلخيّ : يجوز أن يكون المراد بتسبيح الجبال معه ما أعطاه اللّه من حسن الصوت بقراءة الزبور فكان إذا قرأ
هامش
( 1 ) - الحجّ ( 22 ) / 47 .
( 2 ) - الحاقّة ( 69 ) / 25 .
( 3 ) - الكشّاف 4 / 77 ، ومجمع البيان 8 / 731 .