أمّه فيرى الدنيا . ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها . ويوم يبعث فيرى أحكاما لم يرها في دار الدنيا . وقد سلّم اللّه على يحيى في هذه الثلاثة المواطن وآمن روعته . « 1 »
[ 16 ]
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 16 ]
وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا ( 16 )
« وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ » .
شروع في ابتداء خلق عيسى عليه السّلام . ولا ريب أنّ خلق الولد بين شيخين فانيين أقرب إلى مناهج العادات من تخليق الولد من غير أب . ولهذا أخّرت قصّة عيسى عن قصّة يحيى ترقّيا من باب التفهيم من الأدنى إلى الأعلى . « 2 »
« فِي الْكِتابِ » ؛
أي : في القرآن .
« مَرْيَمَ » .
يعني قصّتها .
« إِذِ انْتَبَذَتْ » :
إعتزلت . بدل من مريم بدل الاشتمال .
« شَرْقِيًّا » ؛
أي : شرقيّ بيت المقدس . أو : شرقيّ بيتها . ولذلك اتّخذت النصارى المشرق قبلة . و
« مَكاناً »
ظرف أو مفعول لأنّ انتبذت متضمّنة معنى أتت . « 3 »
قيل : إنّها تمنّت أن تجد خلوة فتفلي رأسها . فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة للشمس . « 4 »
[ 17 ]
[ سورة مريم ( 19 ) : آية 17 ]
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا ( 17 )
« فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ » :
فضربت من دون أهلها حجابا وسترا لئلّا يروها .
« رُوحَنا » .
يعني جبرئيل عليه السّلام . فإنّه روحانيّ . وأضافه إلى نفسه تشريفا له . فانتصب بين يديها في صورة آدميّ صحيح . « 5 »
« بَشَراً سَوِيًّا » .
أتاها جبرئيل متمثّلا بصورة شابّ أمرد سويّ الخلق لتستأنس بكلامه .
ولعلّه لتهييج شهوتها فتنحدر نطفتها إلى رحمها . « 6 »
أقول : هذا كلام من قاس حال البتول مريم على بنات نفسه حتّى صدرت منه هذه
هامش
( 1 ) - عيون أخبار الرضا عليه السّلام 1 / 201 ، ح 11 .
( 2 ) - تفسير النيسابوريّ 16 / 38 .
( 3 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 28 .
( 4 ) - مجمع البيان 6 / 783 .
( 5 ) - مجمع البيان 6 / 783 .
( 6 ) - تفسير البيضاويّ 2 / 28 .