تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 339

مساهمون:

ص٣٣٩
من الرؤساء والأكابر فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ كبير عليه ثياب اطمار فجلس بينهم فقالوا ما لك يا شيخ دخلت في حلوتنا بغير اذننا فقال انا رجل من أهل نجد قدمت مكة فأراكم حسنة وجوهكم طيبة روائحكم فأحببت ان اسمع حديثكم فاقتبس منكم خيرا فدخلت وان كرهتم مجلسي خرجت وما جئتكم الا انى سمعت باجتماعكم فأردت ان احضر معكم ولن تعدموا منى رأيا ونصحا فقالوا هذا رجل لا بأس عليكم منه فتكلموا فيما بينهم فبدأ عمرو بن هشام فقال اما انا فأرى ان تأخذوا محمدا فتجعلوه في بيت تسدون عليه بابه وتشدون عليه وثاقه وتجعلون له كوة تدخلون عليه طعامه وشرابه فيكون محبوسا عندكم إلى أن يموت فقال إبليس بئس الرأي يأتيكم من يقاتلكم من قومه ويخلصه من أيديكم فقالوا صدق واللّه الشيخ ثم تكلم أبو البختري فقال أرى ان تحملوه على بعير فتشدوا وثاقه عليه ثم تخرجوه من أرضكم حتى يموت أو يذهب حيث شاء فقال إبليس بئس الرأي تعمدون إلى رجل أفسد جماعتكم ومعه منكم طائفة فتخرجوه إلى غيركم فيأتيهم فيفسد منهم أيضا جماعة بما يرون من حلاوة كلامه وطلاقة لسانه وتجتمع اليه العرب وتستمع إلى حسن حديثه ثم ليأتينكم بهم فيخرجكم من دياركم ويقتل اشرافكم فقالوا صدق واللّه الشيخ فتكلم أبو جهل فقال أرى ان يجتمع من كل بطن منكم رجل ويأخذون السيوف فيضربونه جميعا ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل فلا يدرى قومه من يأخذونه ولا يقومون على حرب قريش كلهم فإذا طلبوا العقل عقلناه واسترحنا فقال إبليس صدق واللّه هذا الشاب وهو أجودكم رأيا القول قوله لا أرى غيره فتفرقوا على رأيه فنزل جبرائيل عليه السلام فأخبر النبي بذلك وامره ان لا يبيت في مضجعه الذي كان يبيت فيه وامره بالهجرة إلى المدينة فبيت عليا رضى اللّه عنه على مضجعه وخرج هو مع أبى بكر الصديق رضى اللّه عنه إلى الغار . والمكر حيلة وتدبير في إهلاك أحد وإفساد امره بطريق الخفية بحيث لا يعلم المرء ذلك الا عند وقوعه . والمعنى اذكر يا محمد وقت مكرهم بك
لِيُثْبِتُوكَ
بالوثاق والحبس فان اثبات الشيء وتثبيته عبارة عن إلزامه بموضع ومن شد فقد أثبت لأنه لا يقدر على الحركة والمراد ما قال عمرو بن هشام
أَوْ يَقْتُلُوكَ
اى بسيوفهم المختلفة وهو ما قال أبو جهل
أَوْ يُخْرِجُوكَ
اى من مكة من بين أظهرهم إلى غيرهم وهو ما قال أبو البختري
وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ
اى يرد مكرهم عليهم والمكر وأمثاله لا يسند اليه تعالى الأعلى طريق المقابلة والمشاكلة ولا يحسن ابتداء لتضمنه معنى الحيلة والخدعة وهي لا تليق بعظمة اللّه تعالى
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
لا يعبأ بمكرهم عند مكره قال الحدادي لأنه لا يمكر الا بحق وصواب ومكرهم باطل وظلم واعلم أن للخلق مكرا وللحق مكرا فمكر الخلق من الحيلة والعجز ومكر الخالق من الحكمة والقدرة فمكر الخلق مع مكر الحق باطل زاهق ومكر الحق حق ثابت : قال الحافظ
سحر با معجزه پهلو نزند أيمن باش * سامرى كيست دست از يد بيضا ببرد
وقال آخر
صعوه كو با عقاب سازد جنك * دهد از خون خود پرش را رنك
تفسير روح البيان — صفحة 339 | الشيخ اسماعيل حقي البروسوي