تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
وخوف السابقة فان ما يكون في الخاتمة ليس الا ما سبق به الحكم في الفاتحة ولذلك قال عليه السلام ( جف القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة ) انتهى يقول الفقير هذا بالنسبة إلى أن يكون المراد بالخطاب في الآية هو الأمة والا فالأنبياء بل وكمل الأولياء آمنون به من خوف الخاتمة والفاتحة نعم لهم خوف لكن من نوع آخر يناسب مقامهم ولما كان أكمل أحوال الإنسان ان يظهر عزة ربوبية اللّه وذلة عبودية نفسه امر اللّه بالذكر ليتم المقصود الأول وقيده بالتضرع والخيفة ليتم المقصود الثاني
اى خنك آنرا كه ذلت نفسه * واى آنكسى را كه بردى رفسه
وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ
صفة لمحذوف هو الحال اى ومتكلما كلاما هو دون الجهر فإنه أقرب إلى حسن التفكر فمن أم في صلاة الجهر ينبغي له ان لا يجهر جهرا شديدا بل يقتصر على قدر ما يسمعه من خلفه قال في الكشف لا يجهر فوق حاجة الناس والا فهو مسيىء . والفرق بين الكراهة والإساءة هو ان الكراهة أفحش من الإساءة ولما رأى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عمر رضى اللّه عنه يقرأ رافعا صوته فسأله فقال أوقظ الوسنان واطرد الشيطان قال عليه السلام ( اخفض من صوتك قليلا ) واتى أبا بكر رضى اللّه عنه فوجده يقرأ خافضا صوته فسأله فقال قد أسمعت من ناجيت فقال عليه السلام ( ارفع من صوتك قليلا ) وقد جمع النووي بين الأحاديث الواردة في استحباب الجهر بالذكر والواردة في استحباب الاسرار به بان الإخفاء أفضل حيث خاف الرياء أو تأذى المصلون أو النائمون والجهر أفضل في غير ذلك لان العمل فيه أكثر ولان فائدته تتعدى إلى السامعين ولأنه يوقظ قلب الذاكر ويجمع همه إلى الفكر ويصرف سمعه اليه ويطرد النوم ويزيد في النشاط وبالجملة ان المختار عند الأخيار ان المبالغة والاستقصاء في رفع الصوت بالتكبير في الصلاة ونحوه مكروه والحالة الوسطى بين الجهر والإخفاء مع التضرع والتذلل والاستكانة الخالية عن الرياء جائز غير مكروه باتفاق العلماء كذا في أنوار المشارق وقد سبق من شارح الكشاف ان الشيخ المرشد قد يأمر المبتدى برفع الصوت لتنقلع من قلبه الخواطر الراسخة فيه
بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ
متعلق باذكر اى اذكره في هذين الوقتين وهما البكرات والعشيات فان الغدو جمع غدوة وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس . والآصال جمع أصيل وهو الوقت بعد العصر إلى المغرب والعشى والعشية من صلاة المغرب إلى العتمة وخص هذان الوقتان لان فيهما تتغير أحوال العالم تغيرا عجيبا يدل على أن المؤثر فيه هو الإله الموصوف بالحكمة الباهرة والقدرة القاهرة فكل من شاهد هذه التغيرات ينبغي له ان يذكر المؤثر فيها بالتضرع والابتهال والخوف من تحويل حاله إلى سوء الحال . وقيل الغدو والآصال عبارتان عن الليل والنهار اكتفى عن ذكرهما بذكر طرفيهما والمراد بذكره تعالى فيهما المواظبة عليه بقدر الإمكان
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
عن ذكر اللّه تعالى امر أولا بان يذكر ربه على وجه يستحضر في نفسه معاني الأذكار التي يقولها بلسانه فان المراد بذكر اللّه في نفسه ان يذكره تعالى عارفا بمعاني ما يقول من الأذكار ثم اتبعه بقوله
وَلا تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ
للدلالة على أن الإنسان ينبغي له ان لا يغفل قلبه عن استحضار جلال اللّه