تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 237

مساهمون:

ص٢٣٧
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ
عند التجلي
فَسَوْفَ تَرانِي
ببصر انانيتك
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ
جبل أنانيته
جَعَلَهُ دَكًّا
فانيا كان لم يكن
وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
بلا انانية وكان ما كان بعد ان بان ما بان فأشرقت الأرض بنور ربها وجاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا
قد كان ما كان سرا لا أبوح به * فظن خيرا ولا تسأل عن الخبر
ولو لم يكن جبل انانية النفس بين موسى الروح وتجلى الرب لطاش في الحال وما عاش ولولا القلب كان خليفته عند الفناء بالتجلي لما أمكنه الإفاقة والرجوع إلى الوجود فافهم جدا ولو لم يكن تعلق الروح بالجسد لما استسعد بالتجلي ولا بالتحلي تفهم ان شاء تعالى
فَلَمَّا أَفاقَ
من غشية الأنانية بسطوة تجلى الربوبية
قالَ
موسى بلا هويته
سُبْحانَكَ
تنزيها لك من خلقك واتصال الخلق بك
تُبْتُ
من انانيتى
إِلَيْكَ
إلى هويتك بك
وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
بأنك لا ترى بالأنانية ولا ترى الا بنور هويتك بك انتهى وقال القشيري
وَلَمَّا جاءَ مُوسى
مجيىء المشتاقين ومجيىء المغلوبين جاء موسى بلا موسى ولم يبق من موسى لموسى وآلاف آلاف رجال قطعوا مسافات وتحملوا مخافات فلم يذكرهم أحد وهذا موسى خطى خطوات وإلى يوم القيامة يقرأ الصبيان ولما جاء موسى لميقاتنا باسطه الحق بالكلام فلم يتمالك ان
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
فان غلبات الوجد استنطقته بكمال الوصلة من الشهود وقالوا لا يؤاخذ المغلوب بما يقول وقالوا إنه لا يشكر ثم ينكر قال وأشد الخلق شوقا إلى الحبيب أقربهم من الحبيب هذا موسى وقف في محل المناجاة وحفت به الكرامات وكلمه بلا واسطة ولا جهات
قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ
كأنه غائب هو شاهد لكن ما ازداد القوم شربا الا ازدادوا عطشا ولا ازدادوا قربا الا ازدادوا شوقا وقال سأل موسى الرؤية بالكلام فأجيب
لَنْ تَرانِي
بالكلام وأسر المصطفى في قلبه ما كان يرجوه من تحويل القبلة من ربه فقيل له
قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها
وقال إنه سأل اللّه الرؤية فقال
لَنْ تَرانِي
وقال للخضر
هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً قالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً
فصار جوابه لن من الحق ومن الخلق ليبقى موسى بلا موسى ويصفو موسى عن كل نصيب لموسى بموسى وانشد في معناه فقيل
ابني أبينا نحن أهل منازل * ابدا غراب البين فينا يزعق
والبلاء الذي ورد عليه بقوله تعالى
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
أشد من قوله
لَنْ تَرانِي
لأنه صريح في الرؤية وفي اليأس راحة وقوله
فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي
هذا أطماع فيما يمنعه فلما اشتد توقعه جعل الجبل دكا وكان قادرا على إمساك الجبل لكنه قهر الأحباب وبه سبق الكتاب وفي قوله
انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
بلاء شديد لموسى لأنه منع عن رؤية مقصوده وامر برؤية غيره ولوامر بان يغمض عينيه لا ينظر إلى شئ بعده لكان الأمر أسهل عليه ولكنه قيل له
لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ
ثم أشد من ذلك ان الجبل اعطى التجلي ثم امر موسى عليه السلام بالنظر إلى الجبل الذي قدم عليه في هذا السؤال وهذا صعب شديد ولكن موسى رضى به وانقاد لحكمه وفي معناه انشدوا
أريد وصاله ويريد هجرى * فاترك ما أريد لما يريد