والإشارة
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ايمانا حقيقيا مستفادا من كتابة الحق بقلم العناية في قلوبهم
إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ
فاما الخمر فإنها تخمر العقل وهو نور روحاني علوي من أوليات المخلوقات ومن طبعه الطاعة والانقياد والتواضع لربه كالملك وضده الهوى وهو ظلمانى نفساني سفلى من أخريات المخلوقات ومن طبعه التمرد والمخالفة والآباء والاستكبار عن عبادة ربه كالشيطان فإذا خمر الخمر نور العقل صار مغلوبا لا يهتدى إلى الحق وطريقه ثم يغلب ظلمة الهوى فتكون النفس امارة بالسوء وتستمد من الهوى فتتبع بالهوى السفلى جميع شهواتها النفسانية ومستلذاتها الحيوانية السفلية فيظفر بها الشيطان فيوقعها في مهالك المخالفات كلها ولهذا قال عليه السلام ( الخمر أم الخبائث ) لأن هذه الخبائث كلها تولدت منها . واما الميسر فان فيه تهيج أكثر الصفات الذميمة وهي الحرص والبخل والكبر والغضب والعداوة والبغض والحقد والحسد وأشباهها وبها يضل العبد عن سواء السبيل . واما الأنصاب فهي تعبد من دون اللّه فهي تصير العبد مشركا باللّه . واما الأزلام فما يلتفت اليه عند توقع الخير والشر والنفع والضر من دون اللّه تعالى من المضلات فان اللّه هو الضار والنافع ثم قال تعالى
رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
يعنى هذه الأشياء أخبث شئ من اعمال الشيطان التي يغوى بها العباد ويضلهم عن صراط الحق وطريق الرشاد
فَاجْتَنِبُوهُ
اى اجتنبوا الشيطان ولا تقبلوا وساوسه واتركوا هذه الأعمال الخبيثة
لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ
تخلصون من مكايد الشيطان وخباثة هذه الأعمال كذا في التأويلات النجمية
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ
اى اثم وحرج
فِيما طَعِمُوا
اى تناولوا أكلا أو شربا فيتناول شرب الخمر وأكل مال الميسر فانزل اللّه تعالى هذه الآية
إِذا مَا اتَّقَوْا
ان يكون في ذلك شئ من المحرمات
وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
اى واستمروا على الايمان والأعمال الصالحة
ثُمَّ اتَّقَوْا
عطف على اتقوا داخل معه في حيز الشرط اى اتقوا ما حرم عليهم بعد ذلك مع كونه مباحا فيما سبق
وَآمَنُوا
اى بتحريمه
ثُمَّ اتَّقَوْا
اى ما حرم عليهم بعد ذلك مما كان مباحا من قبل على أن الشروط بالاتقاء في كل مرة إباحة كل ما طعموه في ذلك الوقت لا إباحة كل ما طعموه قبله لانتساخ إباحة بعضه حينئذ
وَأَحْسَنُوا
اى عملوا الأعمال الحسنة الجميلة المنتظمة لجميع ما ذكر من الأعمال القلبية والقالبية
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
فلا يؤاخذهم بشئ وفيه ان من فعل ذلك صار محسنا ومن صار محسنا صار للّه محبوبا ومقام المحبوبية فوق جميع المراتب ولذا كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حبيب اللّه وقد فسر الإحسان ( بان تعبد اللّه كأنك تراه ) يعنى ان الإحسان مرتبة المشاهدة فإذا ترقى العبد من الايمان الغيبي إلى الايمان الشهودي ثم فنى عن كل قيد حتى عن الإطلاق فقدتم امره وكان طعمه وشربه وتصرفه في المكونات مما لا يضره لأنه قد استوفى الشرائط كلها فلا يقاس عليه غيره ثم إن المحسن مطلقا يتناول كل أهل ويستحق المدح والثناء :
وفي المثنوى
محسنان مردند وإحسانها بماند * اى خنك آن را كه اين مركب براند