النزول قبل الابتلاء وتنكير شئ للتحقير المؤذن بان ذلك ليس من الفتن الهائلة التي تزل فيها أقدام الراسخين كالابتلاء بقتل الأنفس وإتلاف الأموال وانما هو من قبيل ما ابتلى به أهل أيلة من صيد السمك يوم السبت وفائدته التنبيه على أن من لم يتثبت في مثل هذا كيف يتثبت عندما هو أشد منه من المحن
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ
الخوف من اللّه بمعنى الخوف من عقابه وبالغيب حال من مفعول يخافه وهو عقاب اللّه اى ليتميز الخائف من عقابه الأخروي وهو غائب مترقب لقوة إيمانه فلا يتعرض للصيد ممن لا يخاف كذلك لضعف إيمانه فيقدم عليه فعلم اللّه تعالى لما كان مقتضى ذاته وامتنع عليه التجدد والتغير كما امتنع ذلك على ذاته جعل هاهنا مجازا عن تميز المعلوم وظهوره على طريق اطلاق السبب على المسبب حيث قال القاضي ذكر العلم وأراد وقوع المعلوم وظهوره وأبو السعود انما عبر عن ذلك بعلم اللّه اللازم له إيذانا بمدار الجزاء ثوابا وعقابا فإنه ادخل في حملهم على الخوف
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ
اى بعد بيان ان ما وقع ابتلاء من جهته تعالى بما ذكر من الحكمة والمعنى فمن تعرض للصيد بعد ما بينا ان ما وقع من كثرة الصيد وعدم توحشه منهم ابتلاء مؤدّ إلى تميز المطيع من العاصي
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
لان الاعتداء بعد ذلك مكابرة صريحة وعدم مبالاة بتدبير اللّه وخروج عن طاعته وانخلاع عن خوفه وخشيته بالكلية والمراد عذاب الآخرة ان مات قبل التوبة والتعزير والكفارة في الدنيا بنزع ثيابه فيضرب ضربا وجيعا مفرقا في أعضائه كلها ما خلا الوجه والرأس والفرج ويؤمر بالكفارة . والإشارة في الآية ان اللّه تعالى جعل البلاء للولاء كاللهب للذهب فقال
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
ايمان المحبين الذين تجردوا عن ملاذ الدنيا وشهواتها من الحلال وأحرموا بحج الوصول وعمرة الوصال
لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ
في أثناء السلوك
بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ
وهو ما سنح من المطالب النفسانية الحيوانية والمقاصد الشهوانية الدنيوية
تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ
اى ما يتعلق بشهوات نفوسكم ولذات أبدانكم
وَرِماحُكُمْ
اى ما يتعلق بالمال والجاه
لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخافُهُ بِالْغَيْبِ
وهو يعلم ويرى اى ليظهر اللّه ويميز بترك المطالب والمقاصد في طلب الحق من يخافه بالغيبة والانقطاع عنه ويحترز عن الالتفات لغيره
فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ
اى تعلق بالمطالب بعد الطلب
فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ
من الرد والصد والانقطاع عن اللّه كذا في التأويلات النجمية قال أوحد المشايخ في وقته أبو عبد اللّه الشيرازي قدس سره رأيت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في المنام وهو يقول من عرف طريقا إلى اللّه فسلكه ثم رجع عنه عذبه اللّه بعذاب لم يعذب به أحدا من العالمين . يقول الفقير سمى الذبيح الحقي غفر اللّه ذنوبه انما كان عذابه أشد لأنه رجع عن طريقه بعد معرفته انه الحق الموصل إلى اللّه تعالى وليس من يعلم كمن لا يعلم وسبب الرجوع الامتحانات في الطريق : قال في المثنوى
قلب چون آمد سيه شد در زمان * زر در آمد شد زرىء أو عيان
دست وپا انداخت زر در پوته خش * در رخ آتش همى خندد رخش
قال الحافظ