تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير روح البيان — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
ثوابا من صلة الرحم وما من عمل سيئة اسرع عقوبة من البغي ) فينبغي للعباد مراعاة الحقوق لان الكل أخ لأب وأم هما آدم وحواء سيما المؤمنين لان فيهم قرابة الايمان والدين وكذا الحال في قرابة الطين
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
الرقيب هو المراقب الذي يحفظ عليك جميع افعالك اى حافظا مطلعا على جميع ما يصدر عنكم من الافعال والأقوال وعلى ما في ضمائركم من النيات مريدا لمجازاتكم بذلك فبين اللّه تعالى انه يعلم السر وأخفى وانه إذا كان كذلك فيجب ان يكون المرء حذرا خائفا فيما يأتي ويذر . واعلم أن التقوى هي العمدة وهي سبب الكرامة العظمى في الدنيا والعقبى - حكى - انه كان بالبصرة رجل معروف بالمسكى لأنه كان يفوح منه رائحة المسك فسئل عنه فقال كنت من أحسن الناس وجها وكان لي حياء فقيل لأبى لو أجلسته في السوق لا نبسط مع الناس فأجلسني في حانوت بزاز فجازت عجوز وطلبت متاعا فأخرجت لها ما طلبت فقالت لو توجهت معي لثمنه فمضيت معها حتى أدخلتني في قصر عظيم فيه قبة عظيمة فإذا فيها جارية على سرير عليه فرش مذهبة فجذبتنى إلى صدرها فقلت اللّه اللّه فقالت لا بأس فقلت انى حازق فدخلت الخلاء وتغوطت ومسحت به وجهي وبدني فقيل إنه مجنون فخلصت ورأيت الليلة رجلا قال لي اين أنت من يوسف بن يعقوب ثم قال أتعرفني قلت لا قال انا جبريل ثم مسح بيده على وجهي وبدني فمن ذلك الوقت يفوح المسك على من رائحة جبريل عليه السلام وذلك ببركة التقوى . والتقوى في عرف الشرع وقاية النفس عما يضرها في الآخرة وهي على مراتب . الأولى التوقي عن العذاب المخلد بالتبري من الشرك وعليه قوله تعالى
وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى
. والثانية التجنب عن كل اثم وهو المتعارف باسم التقوى وهو المعنى بقوله تعالى
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا
. والثالثة التنزه عن جميع ما يشغله وهو التقوى الحقيقي المطلوب بقوله تعالى
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ
ومن هذا القبيل ما حكى عن ذي النون المصري انه لما جاء اليه بعض الوزراء وطلب الهمة واظهر الخشية من السلطان قال له لو خشيت انا من اللّه كما تخشى أنت من السلطان لكنت من جملة الصديقين
گر نبودى اميد راحت ورنج * پاى درويش بر فلك بودى
ور وزير از خدا بترسيدى * همچنان كز ملك ملك بودى
فينبغي للسالك ان يتقى ربه ويراقب اللّه في جميع أحواله كما قال تعالى
إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً
والمراقبة علم العبد باطلاع الرب سبحانه عليه فاستدامته لهذا العلم مراقبة لربه وهذا أصل كل خير ولا يكاد يصل إلى هذه الرتبة الا بعد فراغه من المحاسبة فإذا حاسب نفسه على ما سلف وأصلح حاله في الوقت ولازم طريق الحق وأحسن ما بينه وبين اللّه من مراعاة القلب وحفظه مع اللّه الأنفاس وراقب اللّه سبحانه في عموم أحواله فيعلم انه عليه رقيب ومن قلبه قريب يعلم أحواله ويرى أفعاله ويسمع أقواله ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة . قال سليمان بن علي لحميد الطويل عظني قال لئن كنت عصيت اللّه خاليا وظنت انه يراك فقد اجترأت على امر عظيم ولئن كنت تظن انه لا يراك فقد