أحد منهم أو إلا جامعا لهم في الإبلاغ فهي حال من الكاف ، والتاء للمبالغة ولا يجوز جعلها حالا من الناس على المختار
بَشِيراً وَنَذِيراً وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ
شرح
سمع خلافه في كلام البلغاء ، وقد صح أنّ عمر رضي اللّه عنه قال في كتابه لآل بني كاكلة قد جعلت هكذا لآل بني كاكلة على كافة بيت المسلمين لكل عام مائتي مثقال ذهبا إبريزا وقال له عليّ أيضا حين أمضاه ، وقال في شرح المقاصد إنه بخطهما موجود محفوظ إلى الآن بديار العراق فقد استعملوه في غير العقلاء ، وغير منصوب على الحالية كما فصلناه في شرح الدرة ، فما قيل من أنه لم تستعمله العرب إلا كذلك وأنّ ما ذكر في حذف الموصوف لا يصلح للسندية مكابرة لأنّ الطول والحسن يكثر وصف الذوات به دون الأفعال ، وأمّا ما مرّ من أنّ هذه غير ما يلزم فيه الحالية فمع أنه لا حاجة إليه لم سمعته لا يفيد لأنّ مدّعاهم لزوم هذه اللفظة لها . قوله : ( من الكف ) بمعنى المنع لكنها تجوّز بها عن معنى عامّة فقوله إذا عمتهم ، الخ بيان لوجه التجوّز المصحح له والمرجح اشتهاره في الدلالة على العموم حتى هجر معناه الحقيقيّ ، وصار هذا كأنه حقيقته وقطع النظر فيه عن معنى المنع بالكلية فلا يتوهم تخصيص إرساله بالإنذار ، ويدفع بأنّ قوله بشيرا ونذيرا يأباه كما قيل . قوله : ( أو إلا جامعا لهم في الإبلاغ ) أي إلا في حال كونك جامعا لجميع الناس في إبلاغ ما أرسلت به لهم وإعرابه ما ذكر وهو دال على المقصود من الكلام ، وهو عموم رسالته صلّى اللّه عليه وسلّم وهذا هو الوجه الثاني فيه وهو مختار الزجاج ، وما اعترض به عليه من أن كف بمعنى جمع ليس بمحفوظ في اللفة غير مسلم لأنه يقال كف القميص إذا جمع حاشتيه ، وكف الجرح إذا ربطه بخرقة تحيط به وقد قال ابن دريد كل شيء جمعته فقد كففته مع أنه يجوز أن يكون مجازا من المنع لأنّ ما يجمع يمتنع تفرّقه وانتشاره وكون ذي الحال متعدّدا في كافة ليس بلازم لقول عمر رضي اللّه عنه كافة بيت المسلمين كما مرّ فلا يرد عليه ما ذكر . قوله : ( والتاء للمبالغة ) لا للتأنيث على هذا ، وعلى الأوّل لتأنيث موصوفه واعتراض ابن مالك بأنها مخصوصة بصيغة المبالغة كنسابة وفروقة غير مسلم لورودها في راوية ونحوه ، وقد قيل إنه أيضا مصدر كالكاذبة بمعنى الكذب جعل حالا مبالغة أو بتقدير مضاف أو هو منصوب على أنه مفعول له . قوله : ( ولا يجوز جعلها حالا من الناس الخ ) هذا بناء على ما اختاره كثير من النحاة من أن الحال لا تتقدّم على معمولها المجرور بالحرف أو بالإضافة ، وقد ذهب إلى خلافه كثير من متقدّمي النحاة واختاره أبو حيان والرضى وجعلوا هذا الوجه أحسن في الآية ، وما عداه تكلف لكنه اعترض عليه بأنه يلزمه عمل ما قبل إلا فيما بعدها يعني للناس وليس بمستثني ولا مستثنى منه ، ولا تابع له وقد منعوه أيضا ، وأجيب بأنّ تقديره وما أرسلناك للناس إلا كافة فهو مقدّم رتبة ومثله كاف في صحة العمل وفيه نظر لأنّ الممنوع تخطي إلا العامل لغير استثناء وما ذكره لا يدفعه مع تعسفه فالأحسن أن يجعل مستثنى على أنّ الاستثناء فيه مفرّغ وأصله وما أرسلناك لشيء من الأشياء إلا لتبليغ الناس كافة ، وأمّا تقديره بما أرسلناك للخلق مطلقا إلا للناس كافة على أنه مستثنى فركيك جدّا ، والاعتراض