بحيث لو عرضت على هذه الأجرام العظام ، وكانت ذات شعور وإدراك لا بين أن يحملنها ، وأشفقن منها وحملها الإنسان مع ضعف بنيته ، ورخاوة قوّته لا جرم فاز الراعي لها ، والقائم بحقوقها بخير الدارين
إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً
حيث لم يف بها ولم يراع حقها
جَهُولًا
بكنه عاقبتها ، وهذا وصف للجنس باعتبار الأغلب ، وقيل المراد بالأمانة الطاعة التي تعمّ الطبيعية والاختيارية ، ويعرضها استدعاؤها الذي يعمّ طلب الفعل من المختار ، وإرادة صدوره من غيره وبحملها الخيانة فيها ، والامتناع عن أدائها ومنه قولهم حامل الأمانة ، ومحتملها لمن لا يؤدّيها فتبرّأ ذمته فيكون الإباء عنه إتيانا بما يمكن أن يتأتى منه ، والظلم
شرح
وعدم الأداء مجازات متفرّعة على التمثيل الذي مداره على تشبيه الجماد بمأمور متبادر إلى الامتثال تعريضا للإنسان بأنه كان أحق بذلك ، وفيه تفخيم لشأن الطاعة بأنّ مشابهها يتسارع له الجماد لعظمة شأنه فكيف بها ونظيره ما مرّ في قوله :ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[ سورة فصلت ، الآية : 11 ] وهو من المجاز الذي يسمى التمثيل كما نص عليه ثمة وإن اختلف الغرض فيهما والثاني أريد فيه بالأمانة الطاعة الحقيقية لما كلفه الإنسان والعرض والإشفاق والإباء حقيقة والحمل بمعنى الاحتمال لا الخيانة ، وحقيقة التمثيل إنه مثل حال التكليف في صعوبته وثقل محمله الخ والغرض تصوير عظم الأمانة وهو المراد بقوله ثمة ، ويجوز أن يكون تخييلا ومنه ظهر أنّ التخييل تمقيل خاص والتصوير لا ينافي كونه تمثيلا وما لهج به بعضهم من الكناية الإيمائية وأخذ الزبدة من غير نظر لحقيقة التمثيل لا يطابق الحقيقة ، والاصطلاح ولا يغني عن الرجوع لما مرّ مع تناقضه في مواضع وهذا أبسط موضع حقق المصنف فيه التمثيل فليحذ على مثاله فيما يرد من أمثاله ، وهذا زبدته بعد مخضه وتبيين خالصه ومخضه وللنظر فيه مجال ، ولكن لكل مقام مقال . قوله : ( بحيث لو عرضت الخ ) هذا هو الوجه الثاني فالمراد بالأمانة الطاعة الحقيقية ، وهو استعارة مركبة وتمثيل تخييليّ على حدّ قولهم لو قيل للشحم أين تذهب لقال أسوّي العوج ، والمراد أنّ ما كلفه الإنسان على ضعفه لو كلف هذه الأجرام حمله أبته فشبهت حالة الإنسان المحققة بحالة مقدّرة مفروضة ومفرداته على حقيقتها والإشفاق الخوف مع الاعتناء . قوله : ( حيث لم يف بها ) أي بالأمانة ، وهو إشارة إلى أنّ فيه مقدّرا بعد قوله حملها أي وغذر أو لم يف ، وقوله وهذا وصف للجنس الخ لأنّ منهم من وفى بما عاهد اللّه عليه كالنبيين الصدّيقين ، وهذه الجملة مستأنفة استئنافا بيانيا وتأكيدها لأنها مظنة للتردّد .
قوله : ( وقيل المراد بالأمانة الطاعة الخ ) يعني إنّ هذه الأجرام انقادت لأمر اللّه انقياد مثلها تكوينا وتسوية والإنسان لم يكن حاله كذلك وهو عاقل مكلف فالأمانة الطاعة المجازية الشاملة للإنسان والجماد وهو الوجه الأوّل وهو مختار الزجاج والمقصود تعظيم شأن الطاعة وتوبيخ الإنسان ففيه تقرير لما قبله أيضا ، وهو تجوّز في مفردات عدّة أو تمثيل يتفرّع عليه تلك المجازات على ما مرّ في الكشف فالطاعة قبول الأمر وسرعة الانفعال ، وقوله استدعاؤها أي تسخيرها كما بينه بقوله الذي يعم الخ ، والمراد بالمختار ما يقابل الجماد من المخلوقات ،