وعنه عليه الصلاة والسّلام : « مفاتح الغيب خمس » وتلا هذه الآية
وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ
في إبانه المقدّر له والمحل المعين له في علمه وقرأ نافع وابن عامر وعاصم بالتشديد
وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ
أذكر أم أنثى أتامّ أم ناقص
وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً
من خير أو شرّ ، وربما تعزم على شيء وتفعل خلافه
وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ
كما لا تدري في أيّ وقت تموت ، روي أن ملك الموت مرّ على سليمان فجعل ينظر إلى رجل من جلسائه يديم النظر إليه فقال الرجل : من هذا قال : ملك الموت فقال : كأنه يريدني فمر الريح أن تحملني وتلقيني بالهند ففعل فقال الملك : كان دوام نظري إليه تعجبا منه إذ أمرت أن أقبض روحه بالهند وهو عندك ، وإنما جعل العلم للّه تعالى والدراية للعبد لأن فيها معنى الحيلة فيشعر بالفرق بين العلمين ، ويدل على أنه إن عمل حيلة وأنفد فيها وسعه لم يعرف ما هو
شرح
الخزائن التي لا يطلع عليها ففيه استعارة . قوله تعالى : (وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ) إن قلنا علم الساعة فاعل الظرف الواقع خبرا وهذا معطوف على الخبر فلا إشكال وإلا فيحتاج إلى أن يقال أصله أن ينزل الغيث فحذف أن كقوله أحضر الوغى سواء قلنا إنه معطوف على علم أو على الساعة ، وكذا قوله ويعلم الخ وإبانه بكسر الهمزة وتشديد الموحدة بمعنى وقته ، وقوله في علمه راجع لهما والمعنى لا علم لغيره به وهذا على تقدير عطفه على الخبر من تقديم الجلالة وبناء الخبر عليها كما ذكرناه آنفا وليس المقصود اختصاصه بإنزاله لأنه لا شبهة فيه بل يعلمه بزمانه ، ومكانه وهو على هذا الوجه الثاني ظاهر وعلى الثالث أظهر ما قيل من أن قول لا علم لغيره به مقدّر بقرينة وقوعه جوابا للسائل المذكور لا صحة له إذا ليس كل تال واقفا على ذلك السؤال فلا يصلح قرينة ، وكذا ما قيل إنه مقدّر لقرينة السياق والحال فتدبر ، والتشديد على أنه من التنزيل .
قوله تعالى : (وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ) لما كانت نفس نكرة في سياق النفي عامّة جعل نفي العلم عن الجميع كناية عن اختصاصه تعالى بعلم ذلك كما يقال لقوم تكلموا في مسألة بحضرة العلماء أنتم لا تعلمون مثل هذا فيعلم منه أن العالم من كان عندهم ، والجملة معطوفة على قوله إن اللّه عنده لا على الخبر كما اختاره صاحب الكشف ، وفيه وجه آخر ذكره الطيبي لم يرتضه المدقق وقوله روي الخ رواه أحمد وابن أبي شيبة موقوفا . قوله : ( العلم للّه والدراية للعبد الخ ) لأنّ أصل معنى درى رمى الدرية وهي الحلقة التي يقصد رميها الرماة وما يختفي خلفه الصائد وكل منهما حيلة فلذا كانت الدراية أخص من العلم لأنها علم بتحيل ، وتكلف وأما كونها لا يوصف بها اللّه لذلك وقوله :لا هم لا أدري وأنت الداريكلام أعرابي جلف لا يعرف ما يجوز إطلاقه على اللّه مما يمتنع فكلام ذكره بعض أهل اللغة وتبعه بعضهم ، وقد وقع في البخاري ما يخالفه من إطلاقه على اللّه حيث قال خمس لا يدريهن إلا اللّه تعالى فقال الكرماني أطلقت الدراية على اللّه لأنه أريد بها مطلق العلم ، وقد يقال الممنوع إطلاقه عليه بانفراده أمّا مع غيره تغليبا فلا وقد يقال في البيت إنه مشاكلة . قوله :