مِنْ صَوْتِكَ
وأنقص منه وأقصر
إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ
أوحشها
لَصَوْتُ الْحَمِيرِ
والحمار مثل في الذمّ سيما نهاقه ، ولذلك يكنى عنه فيقال : طويل الأذنين ، وفي تمثيل الصوت المرتفع بصوته ، ثم إخراج ذلك مخرج الاستعارة مبالغة شديدة وتوحيد الصوت لأنّ المراد تفضيل
شرح
استعارة لتحري الصواب فيه . قوله : ( وانقص منه وأقصر ) أي أجعله قصيرا والمراد عدم شدّة الجهر مجازا ، أو هو حقيقة عرفية وضدّه مدّ الصوت ، ولما كان يقال غض الطرف والصوت متعدّيا جعله في الكشاف مستعارا من قولهم غض من فلان إذا ذمّه لئلا تكون من زائدة في الإثبات كما ذهب إليه بعضهم هنا ، وتكلف بعضهم جعلها تبعيضية لكن ظاهر قول الجوهري :
غض من صوته أنه يتعدّى بمن فلا غبار عليه . قوله : ( أوحشها ) أي أقبحها كما يقال في العرف للقبيح ، وحش وأصله ضدّ الإنس والألفة فهو إمّا مجاز أو كناية . قوله : ( والحمار مثل في الذمّ ) أي مشهور في الذمّ شهرة المثل ، أو يضرب به المثل في معان من الذمّ كالبلادة وقبح الصوت والنهاق بالضمّ اسم للشديد من صوته كالنهيق ، وقوله ولذلك أي لاشتهاره بالأحوال الذميمة كنت العرب عنه في الأكثر لأنّ عادتهم الكناية عما يستقبح لاستقذاره وإنما صرّح به هنا لأن بعض ما يقبح في مقام يحسن في آخر ، ولما كان هذا مقام الذمّ والمذموم لا يوقر كان ذكره هنا مستحسنا ، وهذا مما ذكره أهل البلاغة ولأنّ التصريح أبلغ كما صرّح به المصنف . قوله : ( وفي تمثيل الصوت الخ ) كذا في الكشاف قال الشارح الطيبي إنه إشارة إلى أنّ قوله إن أنكر الخ تعليل للأمر بالغض على الاستئناف كأنه قيل لم أغض فقيل لأنك إذا رفعته كنت بمنزلة الحمار في أحسن أحواله ، ثم ترك المشبه وأداة التشبيه ووجهه وأخرج مخرج الاستعارة المصرّحة التمثيلية انته فجعله استعارة وحمله على ظاهره ، وقال بعض أهل العصر أنه طوى المشبه على سنن الاستعارة وليس استعارة فإنّ المشبه لم يعرض عنه بالكلية لأنه ، وإن لم يكن مقدرا منويّ مراد على نهج قوله وما يستوي البحر إن هذا عذب فرات الخ ، ولذا قالوا مخرج الاستعارة دون أن يقولوا استعارة هذا محصل ما أطال به من غير طائل فإنه لا مانع من حمله على ظاهره بجعل صوت الحمير استعارة لصياح الإنسان والجامع بينهما الشدّة مع القبح الموحش فتأمّل .
قوله : ( وتوحيد الصوت الخ ) يعني المراد بصوت الحمير صوت هذا الجنس ، ولكون المراد من المضاف الجنس لا وجه لجمعه ، فإن قلت ينبغي أن يوحد المضاف إليه أيضا قلت أجيب بأنّ المراد بالجمع المحلي باللام الجنس بخلاف الجمع المضاف إلى المحلى بها وفيه نظر ، وقد أجيب أيضا بأنّ المقصود من الجمع التعميم ، والمبالغة في التفسير فإنّ الصوت إذا توافقت عليه الحمير كان أنكر وأورد عليه أنه يوهم أنّ الأنكرية في التوافق دون الانفراد ، وهو لا يناسب المقام فتأمّل ، وما قيل من أنّ المحققين لم يذهبوا إلى أنّ الحمير جمع ، وإنما هو بمنزلة أسماء الأجناس فلا وجه للسؤال مما يتعجب منه فإنّ أهل اللغة صرّحوا بجمعيته ولم يخالف فيه غير السهيلي فإنه قال إنّ فعيلا اسم جمع كالعبيد لعدم اطراد مفرده ، واسم الجمع جمع عند أهل اللغة والفرق بينهما اصطلاح للنحاة لا يضرّنا ، والنكير كونه منكرا وأمّا التوجيه بمراعاة الفواصل