من جنس آخر
لِتَسْكُنُوا إِلَيْها
لتميلوا إليها وتألفوا بها ، فإنّ الجنسية علة للضمّ والاختلاف سبب للتنافر
وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
أي بين الرجال والنساء أو بين أفراد الجنس
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً
بواسطة الزواج حال الشبق ، وغيرها بخلاف سائر الحيوانات نظما لأمر المعاش أو بأنّ تعيش الإنسان متوقف على التعارف ، والتعاون المحوج إلى التوادّ والتراحم ، وقيل : المودّة كناية عن الجماع والرحمة عن الولد كقوله ورحمة منا
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
فيعلمون ما في ذلك من الحكم
وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ
لغاتكم بأن علم كل صنف لغة أو ألهمه وضعها وأقدره عليها أو أجناس نطقكم وأشكاله فإنه لا تكاد تسمع منطقين متساويين في الكيفية
وَأَلْوانِكُمْ
بياض الجلد وسواده ، أو تخطيطات الأعضاء وهيآتها ، وألوانها وحلالها بحيث يقع التمايز والتعارف حتى إنّ التوأمين مع اتفاق موادّهما وأسبابهما والأمور الملاقية لهما في التخليق يختلفان في شيء من ذلك لا محالة
إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ
لا تكاد تخفى على عاقل من ملك أو إنس أو جنّ وقرأ حفص بكسر اللام ، ويؤيده قوله : وما يعقلها إلا العالمون
وَمِنْ آياتِهِ مَنامُكُمْ
شرح
بمعناها الحقيقيّ ، والمعنى خلق أصل هذا الصنف من أصل الصنف الآخر فنسب ما للبعض للكل ، وقوله أو لأنهنّ الخ فمن ابتدائية والأنفس مجاز عن الجنس كما في قوله :لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ[ سورة التوبة ، الآية : 128 ] أي من جنسكم كما مرّ ، وقوله لتميلوا إليها يقال سكن إليه إذا مال وفسر الميل بالإلفة ، وقوله تألفوا أصله تتألفوا ولذا عداه بالباء ، وقوله الجنسية علة للضمّ يعني تجانس ذوي الأرواح سبب لانضمام بعضها البعض وكون أحدهما مع الآخر واختلاف الجنس سبب لضدّه ، وهو بيان لتعليل الخلق من الأنفس بالميل على الوجهين أو على الثاني لظهور ميل كل أحد لحزبه ، وقوله بينكم فيه تغليب كما أشار إليه المصنف رحمه اللّه ، وقوله بواسطة الزواج بالكسر على التفسير الأوّل ، وقوله نظما لأمر المعاش تعليل لعدم اختصاصه بحال الشبق ، وخصه بالأوّل وإن كان الثاني كذلك أيضا لأنّ قوله تعيش الإنسان في معناه فلا ركاكة فيه كما توهم ، وقوله أو بأنّ الخ معطوف على قوله بواسطة ، وهو على الثاني ففيه لف ونشر ، والشبق هيجان القوّة الشهوانية وغيرها بالنصب عطف على حال والضمير لها لأنها مؤنث سماعيّ ، وقوله بخلاف سائر الحيوانات فإنها إنما تتوادّ حال الشبق والباء فيهما للسببية ، أو للاستعانة . قوله : ( وقيل المودّة الخ ) كون المودّة بمعنى المحبة كناية عن الجماع للزومها له ظاهر ، وأمّا كون الرحمة كناية عن الولد للزومها له فلا يخلو عن بعد والآية المذكورة في سورة مريم ولم يفسرها ثمة بما ذكر هنا ، وقوله لغاتكم إشارة إلى وجه التخصيص ، وذلك إشارة إلى جميع ما تقدّم لأنه تذييل له أو إلى ما قبله ، وقوله لغاتكم إشارة إلى أنّ اللسان بمعنى اللغة لا الجارحة ، وقوله بأن علم الخ بناء على أنّ واضع اللغة هو اللّه وما بعده على أنه البشر بإلهامه على ما عرف في الأصول ، وقوله أو أجناس نطقكم بالجرّ عطف على لغاتكم واختلافها جهرا وفصاحة وغيره مما هو مشاهد . قوله : ( بياض الجلد وسواده ) هو تمثيل فيشمل غيره ،