كقوم نوح وفرعون وقومه
وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ
ليعاملهم معاملة الظالم فيعاقبهم بغير جرم إذ ليس ذلك من عادته عز وجلّ
وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
بالتعريض للعذاب
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ
فيما اتخذوه معتمدا ومتكلا
كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ
شرح
وجها وجيها وأيضا هلاكه كان قبل هلاك فرعون وهامان فتقديمه على وفق الواقع ، وأمّا توسيط عذابه فلمناسبته للغرق في كون كل منهما عذابا سفليا ، وقوله من سبق الخ أي مأخوذ منه ، وقوله كقوم لوط عليه الصلاة والسّلام في نسخة وعاد وفي الكشاف الحاصب لقوم لوط ، والمراد ما رموا به ومثله يكون مع ريح عاصف فلا إشكال فيه والحاصب إمّا صفة الرّيح أو الملك ، وقوله كقوم نوح عليه الصلاة والسّلام لسبق ذكرهم في هذه السورة وتركهم لعدم ذكرهم هنا فله وجه ولا إشكال فيه كما توهم . قوله : ( ليعاملهم معاملة الظالم ) يعني أنّ هذه الهيئة بمقتضى وعده لا أنه لو وقع كان ظلما لأنه مالك الملك يتصرّف فيه كما شاء فله أن يثيب العاصي ، ويعذب المطيع على مذهب أهل الحق ، والتعرّض للعذاب مجاز عن فعل ما يقتضيه .
قوله : ( فيما اتخذوه الخ ) يتعلق بمثل ، وكذا قوله فيما نسجته والمعتمد والمتكل من يعتمد ويتكل عليه آلهة أو غيرها ، والمثل بمعنى الصفة العجيبة أو بمعنى الشبه كما مرّ والوهن والخور بفتح الخاء المعجمة والواو والراء المهملة كلاهما بمعنى الضعف ، أعلم أنيه قال في الكشاف الغرض تشبيه ما اتخذوه متكلا ومعتمدا في دينهم وتولوه من دون اللّه بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوّة ، وهو نسج العنكبوت ألا ترى إلى مقطع التشبيه ، وهو قوله وأنّ أوهن البيوت الخ ومعنى قوله لو كانوا يعلمون أنّ هذا مثلهم وأنّ أمر دينهم بالغ في هذه الغاية من الوهن ، ووجه آخر وهو أنه إذا صح تشبيه ما اعتمدوه في دينهم ببيت العنكبوت ، وقد صح أنه أوهن البيوت فقد تبين أنّ دينهم أوهن الأديان لو كانوا يعلمون ، أو أخرج الكلام بعد تصحيح التشبيه مخرج المجاز فكأنه قال وإنّ أوهن ما يعتمد عليه في الدين عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون ولقائل أن يقول مثل المشرك الذي يعبد الوثن بالقياس إلى المؤمن الذي يعبد اللّه مثل عنكبوت يتخذ بيتا بالإضافة إلى رجل يبني بيتا بآجر وجص أو ينحته من صخر ، وكما أنّ أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دينا دينا عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون ، اه يعني أنّ الغرض من التشبيه تقرير وهن دينهم وأنه بلغ الغاية فيه بوجوه ، الأوّل إنه تشبيه مركب في الهيئة المنتزعة كما أومأ إليه بقوله اتخذوه متكلا ومعتمدا بذكر الاتخاذ والمتخذ ، والاتكال عليه وقوله وأنّ أمر دينهم بالغ الخ تصريح بالغرض منه ومدار قطبه على أنّ أولياءهم بمنزلة نسج العنكبوت في ضعف الحال ، وعدم الصلاحية للاعتماد وإنّ أوهن البيوت على هذا تذييل يعرّف الغرض من التشبيه ولذا استشهد به فقال : ألا ترى الخ وقوله لو كانوا يعلمون أيغال في تجهيلهم لأنهم لا يعلمونه مع وضوحه لدى من له أدنى مسكة ، والثاني مثله إلا أنه يخالفه في أنّ قوله وإنّ أوهن البيوت مقدّمة مقصودة ، والنتيجة مطوية في قوله لو كانوا يعلمون لأنه لنعي جهلهم بالمقصود ومجموع المقدّمتين ، وما بعده يدلّ