متروكين غير مفتونين لقولهم آمنا بل يمتحنهم اللّه بمشاق التكاليف كالمهاجرة ، والمجاهدة ورفض الشهوات ووظائف الطاعات ، وأنواع المصائب في الأنفس والأموال ليتميز المخلص من المنافق والثابت في الدين من المضطرب فيه ، ولينالوا بالصبر عليها عوالي الدرجات فإنّ مجرّد الإيمان وإن كان عن خلوص لا يقتضي غير الخلاص من الخلود في العذاب ، روي أنها نزلت في ناس من الصحابة جزعوا من أذى المشركين ، وقيل في عمار وقد عذب في اللّه تعالى ، وقيل : في مهجع مولى عمر بن الخطاب رماه عمار بن الحضرمي بسهم يوم بدر فقتله فجزع عليه أبواه وامرأته
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ
متصل بأحسب أو بلا يفتنون ، والمعنى أنّ ذلك سنة قديمة جارية في الأمم كلها فلا ينبغي أن يتوقع خلافه
فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
فليتعلقنّ علمه بالامتحان تعلقا حاليا يتميز به الذين صدقوا في الإيمان ، والذين كذبوا فيه وينوط به ثوابهم وعقابهم ، ولذلك قيل المعنى وليميزنّ أو ليجازين وقرئ وليعلمنّ من الإعلام أي وليعرفنهم اللّه الناس أو ليسمنّهم بسمة يعرفون بها
شرح
اللّه عنه ، وكان المشركون عذبوه بمكة بعد الهجرة « ومهجع » « 1 » بكسر الميم وفتح الجيم بوزن منبر صحابيّ استشهد ببدر ، وهو من عك سبى فمنّ عليه عمر رضي اللّه عنه وأعتقه ، وقوله عمار بن الحضرمي وقع في الكشاف عامر بدله فليحرّر فإنّ ابن حجر ذكر في الإصابة أنّ عامر ابن الحضرمي قتل مشركا ببدر ، ولهذه القصة تفصيل وهذا أوّل من قتل ببدر من المسلمين ، وقوله يوم بدر يدلّ على أنّ أوّل السورة مدنيّ كما مرّ . قوله : ( متصل بأحسب أو بلا يفتنون ) أي هو حال من فاعل أحد ذينك الفعلين ، وعلى الأوّل هو علة لإنكار الحسبان أي أحسبوا ذلك وقد علموا أنّ سنة اللّه على خلافهوَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا[ سورة الفتح ، الآية : 23 ] وعلى الثاني بيان لأنه لا وجه لتخصيصهم أنفسهم بعدم الافتنان ، ولذا قيل الأوّل تنبيه على الخطأ وتقرير لجهة الإنكار ، والثاني تخطئة . قوله : ( فليتعلقنّ علمه الخ ) دفع لما يتوهم من صيغة الفعل من أنّ علمه حدث مع أنه قديم وعلمه بالشيء قبل وجوده ، وبعده لا يتغير بأنّ الحادث تعلق علمه بالمعلوم بعد حدوثه ، وقوله بالامتحان متعلق بقوله يتعلقنّ والباء للتعدية والمراد تعلقه بما يشبه الامتحان والاختبار في ابتلائهم بالمشاق ، وقيل إنها للسببية أو الملابسة ، وقوله : يتميز به أي بالتعلق أو الامتحان وقوله والذين كذبوا إشارة إلى أنّ صلة أل فعل غير للاسمية لكونها على صورة حرف التعريف فهو مشاكلة لما قبله لكنه اختير للفاصلة ، وقوله وينوط به أي بالتميز إشارة إلى وجه آخر وهو أنّ يعلمنّ مجاز بوضع السبب موضع المسبب ، وهو المجازاة فيظهر وجه التعبير بالفعل أيضا وهما وجهان ، ولذا قال وليميزنّ أو ليجازين ، وقوله ولذلك أي لإرادة التمييز أو المجازاة . قوله : ( وليعرّفنهم ) فأعلم مزيد علم بمعنى عرف فيتعدّى لاثنين أحدهما محذوف إمّا الثاني أو الأوّل فالتقدير ليعرّفنهم منازلهم وجزاءهم أو هو
هامش
( 1 ) ذكره الواحدي في أسباب النزول 667 عن مقاتل ، مرسلا ، فهو ضعيف .