يُفْتَنُونَ
فإنّ معناه أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا فالترك أوّل مفعوليه ، وغير مفتونين من تمامه ولقولهم : آمنا هو الثاني كقولك : حسبت ضربه للتأديب ، أو أنفسهم
شرح
المفتوحة مشدّدة ومخففة فإنها لكون مدخولها جملة استغنى بمدخولها عن المفعولين ، وأمّا سدّ أن المصدرية مسدّهما فكذلك كما تسدّ مسدّ الجزأين في عسى أن يقوم زيد قاله ابن مالك ونقله الدماميني عنه في شرح التسهيل من غير فرق ، وإليه أشار المصنف فقوله في الكشف إن السدّ مسدّهما إنما ذكره النحاة في أنّ المضدّدة والمخففة منها ، وأمّا المصدرية فقد تجري مجراها لدخولها على الجملة ، وقد تجري مجرى المفرد مخالف لما ذكره أهل العربية . قوله : ( فإنّ معناه الخ ) يعني أنه كان قبل دخول أن المصدرية عليه فيه احتمالان الأوّل أنّ تركهم مفعوله الأوّل وهم لا يفتنون حال منه بمعنى غير مفتونين ، وهو معنى قوله من تمامه ، ولقولهم هو معنى أن يقولوا لأنه بتقدير اللام ، وهو المفعول الثاني وكونه علة لا ينافيه كما يتوهم كما في المثال المذكور ، والثاني أنّ المفعول الأوّل ضمير الناس فإنه يجوز في أفعال القلوب اتحاد الفاعل والمفعول كما في قراءة لا يحسبنهم بالغيبة كما مرّ تحقيقه ، والثاني متروكين الدال عليه يتركوا ، وعلى هذا فأن يقولوا بتقدير اللام متعلق به ، وقوله وهم لا يفتنون حال من ضمير المتروكين أيضا ، هذا تحقيق كلامه على وجه يزيل عنه الأوهام لأنّ منهم من توهم أنه على الوجه الأوّل مشتمل على المفعولين ، وعلى الثاني على ما يسدّ مسدّهما ولم يتنبه لما ذكر ولا لأنه غير مطابق لقوله قبيله إنّ أن يتركوا الخ سادّ مسدّ المفعولين ، وأمّا الفصل بين الحال وذيها بالمفعول الثاني ، وهو أجنبيّ فوهم لأنه بعد السدّ مسدّه ليس ثمة مفعول ثان ، وقبله كان مقدّما في التقدير فلا حاجة إلى توجيهه كما توهم ، وأمّا الاعتراض على تقدير أن يكون المعنى أحسبوا تركهم غير مفتونين لقولهم آمنا بأنه يقتضي أنهم تركوا غير مفتونين لأنّ الكلام في العلة ، وهي مصب الإنكار ، وليس كذلك لأنّ المعنى أحسب الذين نطقوا بكلمة الشهادة أن يتركوا غير ممتحنين بل يمتحنون فيميز الراسخ دينه من غيره ، ولسبب النزول فالوجه كونه سادّا مسدّ المفعولين فغير وارد لأنّ هذا بيان لأصل التركيب المعدول عنه فيجوز أن يكون وجه العدول عنه هذا المحذور مع أنه أجيب عنه بأنه إنما يلزم ما ذكر لو كان التقدير ما ذكره ، أمّا لو قدر أحسبوا تركهم غير مفتونين بمجرّد قولهم آمنا دون إخلاص وعمل صالح استقام ذلك كما صرّح به الزجاج مع أنه بناء على اعتبار المفهوم ، ثم إنّ الترك هنا بمعنى التصيير كما في قوله تعالى :وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ[ سورة البقرة ، الآية : 17 ] لا بمعنى التخلية ذكره الزمخشريّ وهو يتعدّى لمفعولين حينئذ ، وجملة أن يقولوا سادّة مسدّ المفعولين كما مرّ وحينئذ فلا يرد عليه أنّ الواو لا تتوسط بين المفعولين حتى يتكلف له أنه يجوز كما في قوله :وصيّرني هواك وبي * وطيبي يضرب المثلقوله : ( لقولهم آمنا الخ ) إشارة إلى ما قاله الزجاج : وقوله بالصبر عليها أي على المشاق أو على جميع المذكورات ، وقوله فإنّ مجرّد الإيمان تعليل لما قبله ، وعمار هو ابن ياسر رضي