تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 315

مساهمون:

ص٣١٥
تهتدي إليهم ، وأصله فعموا عن الأنباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على أنّ ما يحضر الذهن إنما يفيض ، ويرد عليه من خارج فإذا أخطأه لم يكن له حيلة إلى استحضاره والمراد بالأنباء ما أجابوا به الرسل أو ما يعمها وغيرها فإذا كانت الرسل يتتعتعون في الجواب عن مثل ذلك من الهول ، ويفوّضون إلى علم اللّه تعالى فما ظنك بالضلال من أممهم ، وتعدية الفعل بعلى لتضمنه معنى الخفاء
فَهُمْ لا يَتَساءَلُونَ
لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب لفرط الدهشة ، أو العلم بأنه مثله في العجز
فَأَمَّا مَنْ تابَ
من الشرك
وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً
وجمع بين الإيمان والعمل
فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ
عند اللّه وعسى تحقيق على عادة الكرام ، أو ترج من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح
وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ
لا موجب عليه
شرح
والتضمين بلا تكلف ما يأباه صريح العبارة . قوله : ( ودلالة على أن ما يحضر الذهن ) يعني أنّ في هذا القلب دلالة على أنّ ما يحضر في ذهن المرء إذا استحضره بعد غيبته عنه كجوابهم للرسل ، وإخبارهم في الدنيا التي ذهلوا عنها فإنه من جملة ما يرتسم في الذهن ، وهو إنما يرد على الذهن من الخارج بمعنى نفس الأمر إمّا ابتداء ، وإمّا بواسطة تذكر الصورة الواردة منه بإماراتها الخارجية فإذا أخطأ الذهن الخارج ونفس الأمر بأن لم يصل إليه لانسداد الطريق بينه وبينه بعمي ، ونحوه لم يمكنه إحضار ولا استحضار ، وذلك لأنه لما جعل الأنباء الواردة عليهم من الخارج عميا لا تهتدي دلّ على أنهم عمي لا يهتدون بالطريق الأولى لأنّ اهتداءهم بها فإذا كانت هي في نفسها لا تهتدي فما بالك بمن بها يهتدي فتدبر فإنه في غاية الخفاء ، ولذا قيل إنه لو تركه كان أولى . قوله : ( أو ما يعمها ) أي ما يعمّ الأنباء المجاب بها الرسل وكل ما يمكن الجواب به ، والتعتعة بتاءين فوقيتين وعينين مهملتين التردّد في الكلام لحصر أوعيّ ، وقوله ويفوّضون الخ كقول عيسى حينئذ :لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا[ سورة البقرة ، الآية : 32 ] . قوله : ( وتعدية الفعل ) أي عميت لتضمنه معنى الخفاء ، وهو أحسن من جعله بمعنى الاشتباه كما ذكره الراغب ولولاه لتعدّى بعن ، ولم يتعلق بالأنباء لأنها مسموعة لا مبصرة ، وقوله لفرط الدهشة سواء ، كانت الفاء في قوله فهم تفصيلية أو تفريعية لأنّ سبب العمي فرط الدهشة ، وقوله أو العلم وفي نسخة والعلم بأنه مثله أي في العجز عن الجواب ، وقوله فأمّا من تاب الفاء فيه لتفصيل إجمال يعلم مما قبله لبيان حال من تاب عن شركه ولترتب الأخبار به عما قبله . قوله : ( وعسى الخ ) لإيذانها بتحقق ما يرجى منهم كما قيل عسى منك خير لنا من نعم أو هي للترجي على لسان العباد لأنه لا يليق به تعالى حقيقة . قوله : ( لا موجب عليه ولا مانع ) مشيئة اللّه هي اختياره أو مقاربة له ، والاختيار منه تعالى للفعل بمعنى أنه إن شاء فعل ، وإن شاء ترك أو كونه بحيث يصح منه الفعل والترك ، وهو بهذا المعنى مقابل للإيجاب ، ولما تقاربا وقد جمع بينهما هنا حاولوا التفسير على وجه يقع به التغاير ليسلم النظم من الحشو فقيل المراد أنه يخلق ما يشاء من الأعيان والأعراض ، وقوله يختار معطوف على يخلق أي يخلق ما يشاؤه باختياره فلا يخلق شيئا بلا اختيار وهذا لم يفهم مما يشاء ، فإنه لا يفيد العموم وقيل إنّ قوله لا موجب عليه
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 315 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي