اتخذ الآجرّ فرعون ولذلك أمر باتخاذه على وجه يتضمن تعليم الصنعة مع ما فيه من تعظيم ، ولذلك نادى هامان باسمه بيا في وسط الكلام
وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ
بغير استحقاق
وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنا لا يُرْجَعُونَ
بالنشور وقرأ نافع وحمزة والكسائيّ بفتح الياء وكسر الجيم
فَأَخَذْناهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْناهُمْ فِي الْيَمِّ
كما مرّ بيانه ، وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ واستحقار للمأخوذين كأنه أخذهم مع كثرتهم في كف ، وطرحهم في اليم ، ونظيره
وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ
[ سورة الزمر ، الآية : 67 ]
فَانْظُرْ
يا محمد
كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الظَّالِمِينَ
وحذر قومك عن مثلها
وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً
قدوة للضلال بالحمل على الأرض وقيل بالتسمية كقوله تعالى :
وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً
[ سورة الزخرف ، الآية : 19 ] وقيل : بمنع الألطاف الصارفة عنه
يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ
إلى موجباتها
شرح
اتخذ الآجر الخ ) ما يتضمن تعليم الصنعة قوله أو قد لي يا هامان على الطين فإنّ الآجر طين محرق ، والتعظيم من أمر الوزير بعمل السفلة من إيقاد النار ، وعمل الطين فلذا ناداه باسمه دون لقبه ووزارته ووسط حرف النداء للتقييد في الكلام ولم يقل يا هامان أوقد لأنّ أفعاله تدلّ على التهاون بغيره ، ولو قدّم النداء لأذن باهتمام مّا . قوله : ( بغير استحقاق ) يحتمل أن يريد أنّ الحق بمعنى الاستحقاق فهو مجاز أو هو بيان لحاصل المعنى فهو نقيض الباطل لأنّ ادّعاء ما ليس مستحقا باطل ، وما هو بحق للّه ولذا ورد في الحديث : « العظمة إزار والكبرياء ردائي » « 1 » وقوله وظنوا إمّا على ظاهره أو عبر عن اعتقادهم بالظنّ تحقيرا لهم وتجهيلا ، وعلى القراءة بكسر جيم يرجعون هو من رجع اللازم وعلى قراءة الضم من المتعدّى أو هو من الأفعال ، والفاء في فأخذناهم سببية والمراد أخذ الإهلاك وقوله وفيه فخامة هو من ضمير العظمة ، والتعبير بالأخذ الاستحقار من النبذ لأنه طرح الأمر الحقير بأطراف اليد ، ونحوه فنبذناهم تمثيل أو مكنية وتخييلية ، والمراد أغرقناهم ، وقوله ونظيره أي في تعظيم الأخذ وتحقير المأخوذ وسيأتي تفسيره ، وقوله : وحذر الخ بيان للمقصود منه . قوله : ( قدوة للضلال ) جمع ضالّ كجهال ، وجاهل واقتداؤهم بهم بسبب حملهم لهم على الضلال أو بسبب حملنا لهم على الإضلال كما وقع في النسخ الصحيحة لأنا جعلناهم ضالين مضلين فالجعل هنا بمعنى الخلق ، وهذا على مذهب أهل السنة من أنّ أفعال العباد خيرا وشرّا مخلوقة للّه ، وقد استدلوا بهذه الآية ، والمعتزلة أوّلوها تارة بأنّ الجعل هنا بمعنى التسمية ، وتارة بأن جعلهم ضالين مضلين بمعنى خذلانهم ، ومنعهم من اللطف والتوفيق للهداية وإليه أشار بقوله وقيل الخ وهو إشارة إلى الردّ على الزمخشريّ .
هامش
( 1 ) أخرجه مسلم 2620 من حديث أبي هريرة وأبي سعيد « العزّ إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته » .
وأبو داود 4090 بلفظ « الكبرياء ردائي ، والعظمة إزاري ، فمن نازعني واحدا منهما قذفته في النار » . من حديث أبي هريرة ، وأحمد 2 / 376 - 414 - 427 - 442 بألفاظ متقاربة .