ومثل ذلك الذي فعلنا بموسى وأمّه
نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ
على إحسانهم
وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ
ودخل مصر آتيا من قصر فرعون ، وقيل منف أوحا بين أو عين شمس من نواحيها
عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها
في وقت لا يعتاد دخولها ، ولا يتوقعونه فيه قيل : كان وقت القيلولة ، وقيل بين العشاءين
فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ
أحدهما ممن شايعه على دينه ، وهم بنو إسرائيل والآخر من مخالفيه ، وهم القبط والإشارة على الحكاية
فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي
هو
مِنْ عَدُوِّهِ
فسأله أن يغيثه بالإعانة ، ولذلك عدّى على وقرىء استعانه
فَوَكَزَهُ مُوسى
فضرب القبطيّ بجمع كفه ، وقرىء فلكزه أي فضرب به صدره
فَقَضى عَلَيْهِ
فقتله وأصله فأنهى حياته من قوله وقضينا إليه ذلك الأمر
قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ
لأنه لم يؤمر بقتل الكفار ، أو لأنه كان مأمونا فيهم فلم يكن له اغتيالهم ، ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ ، وإنما عدّه من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه على عادتهم في استعظام محقرات ما فرطت منهم
إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ
ظاهر العداوة
قالَ
شرح
بلغ أشدّه بل بعد إغراق فرعون كما ذكره الزمخشريّ في سورة المؤمنين لكنه إذا كان إجمالا لأحواله يهون خطبه فتأمّل . قوله : ( على إحسانهم ) تنبيه على أنه إنما آتاه العلم والحكم لاستحقاقه إياه بإحسانه العمل فهو دليل على أنّ المراد بالحكم الحكمة ، وعلم الحكماء لا النبوّة فإنها لا تكون جزاء على العمل كما قاله الإمام : فهو إشارة إلى ترجيح الوجه الثاني ، وأمّا استلزام الأوّل لحصول النبوّة لكل محسن كما ذكره فليس بشيء . قوله : ( وقيل منف ) عطف على مصر ، وهي بلغة معروفة وهي بضم الميم وفتحها وإن ذكره بعضهم لا يوثق به والنون ساكنة وهي ممنوعة من الصرف كماه وجور والمعروف فيها منون بواو وتفصيله في أسماء البلدان ، وحا بين بحاء مهملة وباء موحدة في النسخ وهي وعين شمس أسماء بلدتين من نواحي مصر وكون الوقت بين العشاءين مرويّ ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما وشايعه بمعنى تابعه .
قوله : ( والإشارة ) أي بهذا واقعة على طريق الحكاية لما وقع وقت الوجدان كأنّ الرائي لهما يقوله لا في المحكيّ لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقوله هو من عدوّه قدّره لتكون لجملة صلة ولو لم يقدّره صح ، ولذا تركه في الأوّل ، وقوله فسأله هو معنى السين ، وقوله ولذلك عدّى بعلى أي حملا له على نظيره أو ضمنه معناه ويؤيده القراءة به ، وإن ضمن معنى النصر صح لتعدّيه بعلى ويؤيده قوله استنصره بالأمس ، وجمع كفه بضم الجيم وسكون الميم بمعنى كفه المضمومة أصابعها . قوله : ( وأصله فأنهى حياته ) أي جعلها منتهية متقضية وهو بهذا المعنى يتعدّى بعلى كما في الأساس فلا حاجة إلى تأويله بأوقع القضاء عليه ، وأمّا تعديته بإلى في الآية المذكورة فلتضمينه معنى أوحينا واستشهاد المصنف بها إنما هو لاستعمال قضى بمعنى أنهى وأتمّ . قوله :
( لأنه لم يؤمر بقتل الكفار ) تعليل لقوله ، أو مقولة إذ لو أمر به كان جهادا وطاعة ، والظاهر أن يقول بدل قوله مأمونا مستأمنا ، والاغتيال الغدر بقتل المرء من حيث لا يشعر وقوله لا يقدح الخ وهو قبل النبوّة أيضا ، وقوله عادتهم أي الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام ، ومحقرات مّا بزيادة