تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
بل أم من
خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ
التي هي أصول الكائنات ، ومبادى المنافع وقرىء أمن بالتخفيف على أنه يدل من اللّه
وَأَنْزَلَ لَكُمْ
لأجلكم
مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ
عدل به من الغيبة إلى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته ، والتنبيه على أنّ إنبات الحذائق البهية المختلفة الأنواع المتباعدة الطباع من المواد المتشابهة لا يقدر عليه غيره كما أشار إليه بقوله :
ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها
شجر الحدائق وهي البساتين من الأحداق وهو الإحاطة
أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ
أغيره يقرن به ويجعل له شريكا ، وهو المتفرّد بالخلق والتكوين وقرىء إلها بإضمار فعل مثل أتدعون أو أتشركون ، وبتوسيط مدّة بين الهمزتين وإخراج الثانية بين بين
بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ
عن الحق الذي هو التوحيد
أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً
بدل من أمّن خلق السماوات ، وجعلها قرارا بإبداء بعضها من الماء وتسويتها بحيث يتأتى استقرار الإنسان والدواب عليها
وَجَعَلَ خِلالَها
أوساطها
أَنْهاراً
شرح
الاستفهام التقرير ، والخبر مقدّر وهو خير وقوله لأجلكم إشارة إلى أنّ اللام تعليلية لأنّ المقصود انتفاعهم . قوله : ( لتأكيد اختصاص الفعل بذاته ) يعني أنّ فائدة الالتفات من الغيبة إلى التكلم الخاصة بهذا تأكيد معنى اختصاص الفعل ، وهو الإنبات بذاته لأنه لو قيل أنبت الخ أفاد اختصاص الإنبات به بحكم المقابلة بين أخس الشركاء ، وخالق الأرض والسماء ، فإذا التفت ونسب الفعل لذاته تأكد ذلك الاختصاص لضم إسناد الفعل لذاته إلى المقابلة والإيذان بأنه لا يقدر عليه غيره من ضمير العظمة دفعا لتوهم أنّ غيره له قدرة عليه كما إذا بذر وسقي بأنه هو الخالق لمباديها التي لا قدرة لأحد عليه كالأرض والسماء ، وإنزال الماء ورشح ذلك بقوله ما كان لكم الخ وقوله البهية تفسير لمعنى البهجة وهي الحسن ، والموادّ المتشابهة الأرض والماء والعناصر الأربعة وإخراج ألوان مختلفة من مادّة واحدة أمر عجيب كما قيل في وصف المطر :يمدّ على الآفاق بيض خيوطه * فينسج منها للثرى حلة خضرافقوله : أشار إليه أي إلى انتفاء قدرة غيره عليه ، وقوله من الأحداق وهو الإحاطة إشارة إلى أنّ الحديقة بستان يحيط بجوانبه الحائط . قوله : ( أغيره يقرن به ) أي الاستفهام إنكاري ، والمعنى لا يليق ذلك والتكوين من صفاته تعالى ، والفرق بينه وبين الخلق مبسوط في علم الكلام وبتوسيط عطف على قوله إلها ، وكذا قوله وإخراج وهو معلوم في الأداء ، وقوله بين بين بالتركيب والبناء على الفتح وهو التسهيل المعروف عند القرّاء واختلف في الحرف المسهل هل هو متحرّك أم ساكن والصحيح الأوّل ، وقوله يعدلون عن الحق فهو من العدول لا من عدل بغيره وإن جوّز لأنّ هذا أنسب بما قبله ولأنّ من ليس معه غيره كيف يعادل بغيره فيصير ذكره لغوا . قوله : ( بدل من أمّن خلق السماوات ) إذا كنت أم منقطعة ، والجعل إن كان تصييريا فالمنصوبات مفعولان وإلا فالثاني حال مقدرة ، وقوله : بحيث يتأتى الخ فقرارا بمعنى مستقرّا لا بمعنى قارة غير مضطربة وإن استلزمه فلذا فسر بهذا لأنه أتمّ فائدة ، وقوله أوساطها وفي نسخة وسطها لأنّ الخلال جمع خلل وهي الفرجة بين الشيئين فهو ظرف حل محل الحال أو المفعول