إليها على حسب تخيلاتهم أشياء لا تطابق ، أكثرها كما جاء في الحديث الكلمة يخطفها الجنيّ فيقرها في أذن وليه فيزيد فيها أكثر من مائة كذبة ولا كذلك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فإنه أخبر عن مغيبات كثيرة لا تحصى وقد طابق كلها وقد فسر الأكثر بالكل لقوله تعالى :
كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ
وإلا ظهر أنّ الأكثرية باعتبار أقوالهم على معنى أنّ هؤلاء قلّ من يصدق منهم فيما يحكى عن الجنى ، وقيل الضمائر للشياطين أي يلقون السمع إلى الملأ الأعلى قبل أن رجموا فيختطفون منهم بعض المغيبات ، ويوحون به إلى أوليائهم أو يلقون مسموعهم منهم
شرح
مستأنفة لبيان حالهم معهم ، ويجوز أن يكون صفة لكل أفاك لأنه في معنى الجمع لكن تقدير المبتدأ أظهر في الأوّل ، وأما الحالية فلم يلتفت إليها لعدم المقارنة وكونها منتظرة خلاف الظاهر ، وإلقاء السمع مجاز عن شدّة الإصغاء للتلقي ، ويحتمل أن يكون السمع بمعنى المسموع أي يلقون المسموع من الشياطين إلى الناس كما في الوجه الآتي لكنه تركه لبعده أو لقلة جدواه ، وقوله فيتلقون منهم ظنونا أي مظنونات ، وقوله لنقصان علمهم الضمير للشياطين أو للأفاكين . قوله : ( كما جاء في الحديث الخ ) هو مختصر من حديث مرويّ في الصحيحين عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : « سأل ناس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن الكهان فقال لهم : ليسوا بشيء قالوا : يا رسول اللّه فإنهم يحدّثون أخبارا بالشيء يكون حقا فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : تلك الكلمة يحفظها الجني فيقرها في أذن وليه قرّ الدجاجة فيخلطون بها أكثر من مائة كذبة » « 1 » وقوله فيقرها بفتح الياء وكسر القاف من قرّت الدجاجة إذا صوّتت صوتا منقطعا وقرّه يقره إذا سارّه وهو من الأوّل والمعنى يسمعه إياها ، ووليه من يواليه وقوله مائة كذبة وقع في نسخة كلمة . قوله : ( ولا كذلك محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ) معطوف على قوله الأفاكون الخ ، يعني أنهم يكذبون ويذكرون أمورا متخيلة موهومة ، وهو صادق فيما يخبر به متيقن له وقوله لقوله الخ يعني أنّ الضمير لكل أفاك وهم كلهم كاذبون لا أكثرهم ، والمقام يقتضي التعميم وقوله والأظهر لأنّ كون الأكثر بمعنى الكل بعيد يعني المراد بالكذب ما وقع في حكايتهم عن الجنّ فإنّ ما ينسبون لهم كذب عنهم في الأكثر وقد يصدقون في النقل عنهم ، ويجوز أن يكون هذا في مطلق أقوالهم فإنّ من اعتاد الكذب لا يتركه غالبا . قوله : ( وقيل الضمائر أي في قوله يلقون الخ ) فالمراد إنّ الشياطين يلقون السمع أي يستمعون إلى الملأ الأعلى من الملائكة قبل الرجم ، والطرد فيختطفون أي يتلقون بسرعة لخوفهم من الشهب أو السمع بمعنى المسموع منهم ومرضه لأنّ المقام في بيان من تنزل عليه الشياطين ، لا بيان حالهم وأمّا دلالته على الوجه الثاني فليست بلازمة حتى يضعفه لفواتها كما قيل ، وقوله إذ يسمعونهم من الأسماع تعليل لكذبهم بأنهم لا يسمعون أولياءهم لخيانتهم فيتعمدون الكذب ، أو هو لقصور فهمهم عنهم أو قصور ضبطهم وحفظهم
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري 5762 - 6213 - 7561 - 3210 ومسلم 2228 - 123 وأحمد 6 / 87 وعبد الرزاق 20347 وابن حبان 6136 والبغوي 3258 والبيهقي 8 / 138 كلهم من حديث عائشة .
ولفظ : « قرّ الدجاجة » هي عند مسلم .