فَهَدى
[ سورة الأعلى ، الآية : 3 ] هداية مدرجة من مبدأ إيجاده إلى منتهى أجله يتمكن بها من جلب المنافع ودفع المضار مبدؤها بالنسبة إلى الإنسان هداية الجنين إلى امتصاص دم الطمث من الرحم ، ومنتهاها الهداية إلى طريق الجنة والتنعم بلذائذها والفاء للسببية إن جعل الموصول مبتدأ وللعطف إن جعل صفة رب العالمين فيكون اختلاف النظم لتقدّم الخلق ، واستمرار الهداية وقوله :
وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ
على الأول مبتدأ محذوف الخبر لدلالة ما قبله عليه ، وكذلك اللذان بعده وتكرير الموصول على الوجهين للدلالة على أنّ كل واحدة من الصلات مستقلة بالحكم
وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ
عطفه على يطعمني ويسقين
شرح
جوابه نعبد أصناما بدون ذكر اللّه يقتضي قصر عادتهم عليها وما ذكر من الآية ليس محكيا عن قوم إبراهيم عليه الصلاة والسّلام ، ولو سلم فالمراد بالتسوية مساواة من عبد اللّه في مطلق العبادة أو تسويتها باللّه في استحقاق العبادة ، وهو غير مستلزم للعبادة نفسها ليس بشيء لأنّ تخصيص الأصنام بالذكر للردّ عليه ، ولأنّ المداومة على عبادتها لا تنافي عبادته أحيانا مع أنّ المصنف رحمه اللّه قد اعترف بما ذكره القائل في تفسير قوله :وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَراءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي[ سورة الزخرف ، الآية : 27 ] كما سيأتي في سورة الرحمن وما ذكره من تأويل الآية المذكورة تكلف لم يسبق إليه . قوله : ( هداية مدرجة ) منصوب على أنه مصدر ليهدي ، وقوله دم الطمث أي الحيض هو بناء على ما اشتهر ونقل عن جالينوس ، وأنه لذلك يصيبه الجدري وغيره من الأمراض الدموية لكن الحكيم ابن زهر أنكره وقال إنّ جالينوس أراد بدم الطمث دما في الرحم صالحا لا دم الحيض فإنه دم فاسد لو اغتذى به الجنين لم تتصوّر حياته ، وإنما لم ينصبّ دم الحيض مدّة الحمل للرحم لاشتغال الرحم ، وهو وإن كان مما يقبله العقل فالظاهر أنه لا يعلم حقيقته إلا اللّه فلا يجزم بشيء منهما إلا إذا اعتضد بدليل سمعيّ . قوله : ( والفاء للسببية ) في خبر الموصول لتضمنه معنى لشرط ، وقوله وللعطف أي على الصلة والصفة إمّا منصوبة أو مرفوعة على القطع ، وقوله لأنه يهدي كل مخلوق الخ إشارة إلى أنّ ما ذكر من الحكم ليس خاصا به ، وإن صوّر في نفسه للتعريض كما مرّ فسقط اعتراض أبي حيان بأن الفاء إنما تزاد في خبر الموصول لتضمنه معنى الشرط إذا كان عامّا وهذا ليس كذلك مع أنّ اشتراط ذلك فيه غير مسلم كما فصله الرضى ، وإنما هو أغلبيّ ، ثم إنّ السببية بمقتضى الحكمة فإنّ من أوجده يتكفل بما به قوامه وبقاؤه ، وقيل إنها سبب للأخبار لا للهداية فإنها غير مسببة عن الخلق ، وإنّ السببية قد تجامع العطف كما في الذي يطير الذباب فيغضب زيد فلا وجه للتخصيص . قوله : ( فيكون ) أي على العطف فإنّ الأصل فيه تماثلهما ، ويجوز أن يكون على التقديرين وتقدّم الخلق يقتضي المضيّ والاستمرار من الإسمية التي خبرها مضارع دال على الاستمرار أيضا ، وقوله على الأوّل أي كون الذي مبتدأ خبره هو يهدين وقوله على الوجهين أي الابتدائية والوصفية والحكم ما تضمنه الخبر أو الاستئناف من العداوة . قوله :
( عطفه على يطعمني ) أو على جملة هو يطعمني ، وقوله من روادفهما أي توابعهما ولوازمهما