يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ
موعظة أو طائفة من القرآن
مِنَ الرَّحْمنِ
بوحيه إلى نبيه
مُحْدَثٍ
مجدّد إنزاله لتكرير التذكير ، وتنويع التقرير
إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ
إلا جدّدوا أعراضا عنه وإصرارا على ما كانوا عليه
فَقَدْ كَذَّبُوا
أي بالذكر بعد إعراضهم وأمعنوا في تكذيبه بحيث أدّى بهم إلى الاستهزاء به المخبر به عنهم ضمنا في قوله :
فَسَيَأْتِيهِمْ
أي إذا مسهم عذاب اللّه يوم بدر أو يوم القيامة
أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
من أنه كان حقا أو باطلا ، وكان حقيقا بأن يصدق ويعظم قدره أو يكذب فيستخف أمره
أَ وَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ
أو لم
شرح
لو كان أنزلنا أوّل يتنزل من أنّ إن الشرطية قد تخرج عن الاستقبال كما في نحو إن كنت قلته فقد علمته ، وهو كذلك هنا بدليل وقوع لو في نظائره كقوله :وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدى[ سورة الأنعام ، الآية : 35 ] فالمعنى هنا لو شئنا لأنزلنا فلذا عطف على المعنى تكلف ما لا حاجة إليه من كون أن بمعنى لو ومضيّ ما في حيزها ، وأنت في غنية عنه بما قدّمناه ومن قال إنّ الفاء لا يجزم ما بعدها لم يفرق بين العاطفة والجوابية فتأمّل . قوله : ( موعظة أو طائفة من القرآن ) يعني المراد إمّا التذكير والموعظة ، ومن زائدة أو القرآن ومن تبعيضية والجارّ والمجرور صفة لمقدّر ، وقوله : بوحيه متعلق بيأتيهم ، وعنوان الرحمن إشارة إلى أنه رحمة ، وقوله وتنويع التقرير أي التثبيت في الأذهان أو الحمل على الإقرار ، والأوّل أولى . قوله : ( إلا جدّدوا إعراضا ) قيل كان ينافي ما ذكر ، فالظاهر أنّ المعنى ما يجدّد اللّه تعالى بوحيه على نبيه صلّى اللّه عليه وسلّم موعظة وتذكيرا إلا استمرّوا على ما اعتادوه من الإعراض وردّ بأنه لوقوعه في مقابلة ما يأتيهم فالمراد به بالاستمرار التجدّدي ، وقوله : محدث لتوكيده ، والاستثناء يدلّ على أنّ الإعراض وقته إتيان الذكر ، ولا يخفى أنّ هذه الجملة حالية ماضوية وإن كان تدلّ على الاستمرار التجدّدي ووقوعها في مقابلة المضارع لا يقتضي إلا الثبوت عليه مع تجدّد التذكير وتكرّره ، وهو أبلغ في الذمّ فالظاهر أنّ المصنف رحمه اللّه أراد ما ذكره المعترض ، ولولاه لم يقل وإصرارا الخ ، وإنما قال جدّدوا لأنّ الإعراض عما يحدث لا بدّ أن يكون حادثا إذ لا يتصوّر الإعراض عن شيء قبل وجوده ، فإن أراده هذا القائل كان فاسدا وإن أراد الاستمرار بعده فهو معنى الإصرار ، وقال بعض الفضلاء في فقد كذبوا تمادوا على التكذيب ، وكان تكذيبهم مع ورود ما يوجب الإقلاع من تكرار إتيان الذكر كتكذيبهم أوّل مرّة ، وللتنبيه على ذلك عبر عنه بما يعبر عن الحادث وله نظائر كقوله :رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ[ سورة الشعراء ، الآية : 117 ] فكذبوه وفي قوله وأمعنوا إشارة إليه فتأمّل . قوله : ( بعد إعراضهم ) هذا مقتضى الفاء ، وإعراضهم تكذيب فعلى هذا لا حاجة إلى أن يقال وعنده أيضا ، وأمعنوا بمعنى بالغوا فيه ، وقوله المخبر به عنهم الظاهر أن يقول عنه ، وكذا هو في نسخة مصححة ، وإنما جعله متضمنا له لأنّ قوله ما كانوا به يستهزؤون يقتضي تقدّم الاستهزاء ، ولو جعل الإعراض والتكذيب دالا عليه كان أظهر ، وقوله :إِذا مَسَّهُمْ[ سورة الأعراف ، الآية : 201 ] الخ هو غير مغاير لقوله في الأنعام عند ظهور الإسلام وارتفاعه كما توهم ، وإتيان الخبر كناية عن وقوع