نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً
دالة ملحئة إلى الإيمان أو بلية قاسرة عليه
فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ
منقادين وأصله فظلوا لها خاضعين فأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع ، وترك الخبر على أصله ، وقيل : لما وصفت الأعناق بصفات العقلاء أجريت مجراهم ، وقيل المراد بها الرؤساء أو الجماعات من قولهم جاء بأعنق من الناس لفوج منهم ، وقرىء خاضعة وظلت عطف على ننزل عطف وأمكن على فأصدق لأنه لو قيل أنزلنا له لصح
وَما
شرح
الانتصاف لكن الزمخشريّ ، وغيره يستعملها والوارد في الآثار ما ذكرناه سابقا . قوله : ( أو بلية قاسرة عليه ) أي على الإيمان بالجبر عليه ، وليس ذلك في الوجه الأوّل ، والتخصيص لما مرّ لا لأنّ عليهم يدل عليه لأنّ الاستعمال تعديته بعلى فلا دلالة على ما ذكر كما قيل . قوله :
( منقادين ) يعني أنّ الخضوع هنا مجاز أو كناية عن الانقياد والإذعان ، ولما كان خاضعين لجمع من يعقل والإعناق ليست كذلك جعلها مقحمة والأولى أن يقال إنها اكتسبت التذكير ، وصفات العقلاء من المضاف إليه ، ولما كان الخضوع وضدّه يظهر في الرأس والعنق جعله محله لأنه يتراءى قبل التأمّل أنه هو الخاضع دون صاحبه ، وقوله على أصله أي قبل الإقحام . قوله :
( وقيل لما الخ ) معطوف على قوله : وأصله الخ لا على قوله وترك الخبر لفساده معنى كما لا يخفى ، وقوله بصفات العقلاء جمعها وهي صفة واحدة أعني الخضوع لتعدّدها باعتبار تعدّد من قامت به هنا أو لأنه أريد الجنس كما في قولهم فلأن يلبس الثياب ، ولها صلة ظلت أو خاضعين ، ولم يلتفت لتقدير أصحاب أعناقهم لأنه ركيك مع الإضافة لضميرهم ، ولا لجعل خاضعين حالا من المضاف إليه لذلك . قوله : ( وقيل المراد بها الرؤساء ) أي مجازا كما يقال لهم صدور ورؤس فيثبت الحكم لغيرهم بالطريق الأولى أو الجماعات وفي نسخة الجماعة أي مطلقا رؤساء أم لا فالمعنى ظلت جماعاتهم أي جملتهم لأنهم جماعة من الناس فلا إشكال فيه ، وعلى قراءة خاضعين الإسناد مجازيّ . قوله : ( فظلت الخ ) هو تفريع على جميع ما تقدّم لا على الأخير وهذا من العطف على المعنى كما عطف فأصدق المنصوب على أكن المجزوم لصحة الجزم فيه ، وقوله : لأنه لو قيل الخ بيان له ، والماضي وإن كان يصح عطفه على المضارع إلا أنه هنا غير مناسب فإنه لا يترتب الماضي على المستقبل بالفاء التعقيبية أو السببية فإنه غير معقول ، والمعقول عكسه وتأويل أحد الفعلين يدفع ذلك فهو لازم لكنه إن نظر إلى زمان الحكم كان الجواب مستقبلا فيؤوّل ظلت بتظل كما قرئ به ، وإن نظر إلى زمان الحكاية يؤوّل تنزل بأنزلنا كما قرئ به ، وهو الذي اختاره الشيخان لأنه وإن كان مستقبلا حقيقة لأنّ المعتبر زمان الحكم لا التكلم على المشهور ، ولو خط فيه أيضا صورة نزول تلك الآيات العظيمة الملجئة إلى الإيمان ، وحصول خضوع رقابهم عند ذلك في ذهن السامع ليتعجب منه وعبر عنه بالماضي إشارة إلى أنّ نزول تلك الآيات لقوة سلطانه ، وسرعة ترتب ما ذكر عليه كأنه كان واقعا قبله ، وإلا لم يصح الترتب والتسبب لما مرّ فلذا جرى فيه على خلاف مقتضى الظاهر كما في شرح الكشاف فما قيل في دفع كون كلمة الشرط تخلص للاستقبال ، وإنّ النظم