لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ
قاتل نفسك ، وأصل البخع أن تبلغ بالذبح البخاع وهو عرق مستبطن القفا ، وذلك أقصى حسدّ الذبح ، وقرىء باخع نفسك بالإضافة ولعلّ للإشفاق أي أشفق على نفسك أن تقتلها حسرة
أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ
لئلا يؤمنوا ، أو خيفة أن لا يؤمنوا
إِنْ نَشَأْ
شرح
هذا المؤلف منها ، وطسم مبتدأ خبره تلك والكتاب المبين صفته أو خبره وهو وخبره خبر الأوّل ، وهو أرجح وإذا أريد القرآن فالتأنيث لرعاية الخبر . قوله : ( قاتل نفسك ) أي غما وتهالكا والبخاع بكسر الباء بالمعنى المذكور مما تفرّد الزمخشريّ بإثباته وتبعه المطرزيّ لكن ابن الأثير في النهاية قال : إنه لم يوجد في شيء من كتب اللغة ، واستعمال العرب ، وقد مرّ تفصيله وأنّ المثبت مقدّم على النافي خصوصا مثل هذا المثبت ، وقوله : مستبطن القفا غير غبارة الكشاف ، وهي قوله : مستبطن الفقار جمع فقارة وهي عظام الظهر لما قيل إنه تحريف لأنّ أقصى حدّ الذابح في القفا ، وفيه نظر . قوله : ( أي أشفق على نفسك الخ ) لما كان الترجي غير صحيح ولا مرادا جعلها للإشفاق ، والإشفاق بمعنى الخوف أيضا غير متصوّر منه تعالى فجعله من المخاطب ، ولما كان غير واقع أوّله بالأمر به لدلالة الإنكار المستفاد من سوق الكلام عليه أو المعنى أنك تفعل ذلك أي التحسر والتهالك فلا تفعل ، قيل : ولو فسر البخع بشدّة الحرص كما يقال هو يقتل نفسه على كذا جاز الخبر ، وعدم الحمل على الإشفاق ، وفيه ما فيه . قوله : ( لئلا يؤمنوا الخ ) في الكشاف لئلا يؤمنوا ولامتناع إيمانهم أو خيفة أن لا يؤمنوا فزاد قوله ولامتناع الخ إشارة إلى أنّ السكون بمعنى الصحة فهو عطف تفسيريّ ، وعلى الثاني هو بمعناه لكن لما لم يصح كون عدم الكون في المستقبل علة للبخع لكونه غير معلوم قدر خيفة لا لأنه ليس فعلا لفاعل الفعل المعلل فإنه وهم فإنّ فيه مصححا آخر لحذفها ، وهو أن المصدرية لاطراد الحذف مطلقا معها كما حققه بعض شرّاح الكشاف ففي كلام المصنف رحمه اللّه قصور ، وتوجيهه بأنّ المراد لاستمرارهم على عدم قبول الإيمان لأنّ كلمة كان للاستمرار فأريد به استمرار النفي لا المنفيّ فليس فيه غفلة عن فائدة ذكر الكون كما توهم ليس بشيء لأنه ليس في كلامه ما يدلّ على إرادة الاستمرار صراحة ، ودلالة فلا يتمّ بعناية القاضي ، وكأنه أراد أنّ كان هنا أتى بها لأجل الفاصلة ، والأولى ما مرّ فتأمّل . قوله : ( إن نشأ الآية ) قيل إنه استئناف لتعليل ما يفهم من الكلام من النهي عن التحسر المذكور ببيان أنّ إيمانهم ليس مما تعلقت به مشيئته تعالى حتما فلا وجه للطمع فيه ، والتألم من فواته ، ويرد عليه أنه يقتضي أنّ عدم تعلق مشيئته بإيمانهم يكون عذرا لهم في ترك الإيمان كما سيورده هو فيما سيأتي ، وليس كذلك فالأولى أن يقال إنه تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد منه تعليل الأمر بإشفاقه على نفسه ومفعول المشيئة ما يدل عليه الجزاء أو إيمانهم بقرينة ما قبله ، ويؤيده أنّ السورة في تعظيم شأنه صلّى اللّه عليه وسلّم فهو براعة استهلال . قوله : ( دالة ملجئة إلى الإيمان الخ ) وفي نسخة دلالة ملجئة بإسناد الإلجاء للدلالة مجازا ، وقيد الآية بالملجئة لأنّ غيرها مما تحقق نزوله قبله ومعه ، والإلجاء لأنه سنة اللّه عند ظهور أمثالها ، وقولنا سنة أحسن من قول بعضهم عادة لأنّ العادة لا تطلق عليه تعالى كما في