الإغضاء عن السفهاء وترك مقابلتهم في الكلام
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
في الصلاة وتخصيص البيتوتة لأنّ العبادة بالليل أحمز وأبعد عن الرياء وتأخير القيام للروي وهو جمع قائم أو مصدر أجرى مجراه
وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً
لازما ومنه الغريم لملازمته وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالطتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون إلى اللّه تعالى في صرفه عنهم لعدم
شرح
الحواشي هذا تفسير ليس بسديد لأنّ المراد هنا يقولون : هذه اللفظة لا أنهم يقولون قولا ذا سداد بدليل قوله سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين ( أقول ) وتلك الآية لا تخالف هذا التفسير فإنّ قولهم سلام عليكم من سداد القول أيضا كيف والظاهر أنّ خصوص اللفظ غير مقصود بل هو أو ما يؤدّي مؤداه مما يدل على المتاركة وعدم الإثم واللغو اه . وهذا مما لا غبار عليه لما مرّ عن الكتاب فمن قال إنّ مراد القائل إنّ القرآن يفسر بعضه بعضا فإذا صرح في تلك الآية بهذه اللفظة لا ينبغي التأويل بغيرها إذ الظاهر القصد إلى خصوصها واللّه أعلم بحكمة تخصيصه وذلك كتخصيص هذه اللفظة بمن مر على آخر مثلا ولا يخفى أنه غفلة عن مراده وأمّا حكمة تخصيصها فما مرّ وهو أنهم لم يؤمروا بالسلام على الكفرة إذ ذاك كما صرحوا به وأمّا تخصيص هذه اللفظة بعد مشروعية السّلام فظاهر وفي بعض الحواشي هنا خبط عجيب تركناه لطوله بلا طائل . قوله : ( يسلمون فيه من الإيذاء ) استعمل الإيذاء كغيره وهو صحيح قياسا واستعمالا كما ذكره الراغب في مفرداته وإنما تركه الجوهري وغيره على عادتهم في ترك المصادر القياسية فقوله في القاموس ولا تقل إيذاء خطأ كما مر ولا حاجة إلى اعتذار بعضهم عنه بأنهم استعملوه قياسا وهم لا يتحاشون عن مثله بل عن استعمال الخطا المشهور .
قوله : ( لنسخه ) أي لنسخ ما في هذه الآية لأنها مكية وآية القتال مدنية وهو منفي لأنّ النفي متوجه للقيد ولأنّ قوله فإنّ الخ يدل على أنّ حكمها باق غير منسوخ وجعله جوابا آخر يأباه سياقه . وقوله : لربهم متعلق بما بعده وقدم للفاصلة والتخصيص واحمز بالحاء المهملة والزاي المعجمة بمعنى أشق لكونه زمان النوم والراحة . وقوله : وتأخير القيام الخ يحتمل أن التقديم لشرفه وإباء المستكبرين عنه في قوله وإذا قيل الخ وقوله أجرى مجراه أي لشموله للكثير بحسب أصله وإن كان مؤوّلا بالوصف على هذا . قوله : ( لازما ) وقيل معناه مهلكا ولزومه إما للكفار أو المراد به الامتداد كما في لزوم الغريم وقوله : بأنهم أي المؤمنين ومخالطتهم وقع في نسخة بدله مخالقتهم بالقاف مفاعلة من الخلق كقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « خالف الناس بخلق حسن » « 1 » . وما وقع في بعض النسخ من مخالفتهم بالفاء تحريف من الناسخ ووثوقهم معطوف على اعتدادهم .
هامش
( 1 ) هو بعض حديث أخرجه الترمذي 1988 ، وأحمد 5 / 35 - 158 و 288 و 236 والدارمي 2 / 223 كلهم عن أبي ذر ومعاذ بن جبل . ونصه : « اتق اللّه حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس يخلق حسن » وقال الترمذي : حديث حسن اه قلت بل هو حديث صحيح .