وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً
أيّ شهادة كانت لأنه مفتر وقيل شهادتهم في القذف ولا يتوقف ذلك على استيفاء الجلد خلافا لأبي حنيفة فإنّ الأمر بالجلد والنهي عن القبول سيان في وقوعهما جوابا للشرط لا ترتيب بينهما فيترتبان عليه دفعة كيف وحاله قبل الجلد أسوأ مما بعده
أَبَداً
ما لم يتب وعند أبي حنيفة إلى آخر عمره
وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ
المحكوم بفسقهم
شرح
صَدْرِكَ *فهو أبلغ من لا تقبلوا شهادتهم وأوقع في النفس لما فيه من الإبهام ثم التفسير وقوله أيّ شهادة لأنه نكرة في سياق النفي وقوله لأنه مفتر أي كامل الافتراء أو متحقق الافتراء لحكم الشارع بفسقه فخرج قاذف غير المحصن والقول بأنه من تمام الحدّ لا يوافق مذهب المصنف رحمه اللّه . قوله : ( خلافا لأبي حنيفة رحمه اللّه ) قيل لأنّ تعلق الجزاء على المعطوف بواسطته ولذلك إذا قال لغير المدخول بها إن دخلت الدار فأنت طالق وطالق يقع واحدة كما تقرّر في الأصول وفي دلائل الإعجاز جزاء الشرط قسمان جزاء للشرط ابتداء كقولك إن جاء زيد أعطه وإكسه وقسم يعتبر جزاء بواسطة الجزاء الأوّل كقولك إذا رجع الأمير استأذنت وخرجت أي وإذا استأذنت خرجت ولأبي حنيفة أن يقول لما لم يرجح هنا أحد المعنيين على الآخر والأصل قبول الشهادة وقع الشك في الردّ قبل الجلد فلا يردّ بالشك لأنه من جملة الحدّ المندرىء بالشبهات ولا يخفى أنه غير مسلم عند الخصم كما أشار إليه بقوله ولا ترتيب بينهما فكيف يلزمه بما لا يعترف به مع أنّ الشرطية هنا غير متحققة لجواز كونه مفعول فعل مقدّر على طريقة الاشتغال وذكر المصنف للشرطية من إرخاء العنان وهو لا يجعل عدم القبول من تمام الحدّ لأنّ الحدّ فعل يلزم الإمام إقامته كما في التلويح . قوله : ( وحاله قبل الجلد أسوأ مما بعده ) قيل لاجتماع الحقين عليه حق اللّه وحق العبد وفيه أنه إذا أريد أنه أسوأ حالا عند الناس فظاهر أنه ليس كذلك وإن أريد عند اللّه فالمعتبر في الشهادة ما عند الناس وفيه أنه قد يقال إنه أسوأ حالا عند اللّه وعند الناس لأنّ الاستسلام للحدّ توبة عند المصنف والفاسق قبل التوبة أسوأ منه بعدها ومن عليه حقان أسوأ ممن عليه حق وهذ ظاهر لا ينكر والذي جنح إليه هذا القائل إنه إذا ضرب بمحضر من الناس يكون أحقر وأسوأ حالا عندهم لكنه وإن عدّ قبيحا بحسب العقل القاصر فليس قبيحا بحسب الشرع . قوله : ( ما لم يتب ) هذا بناء على أنّ الاستثناء راجع إلى جميع ما قبله وسيأتي تحقيقه وقيل بل إلى آخر أوقات أهليتهم للشهادة ولذلك قبل شهادة الكافر المحدود في قذف بعد إسلامه لحدوث أهلية أخرى وردّ بأنهم لا يقبلون شهادة الكافر مطلقا فبنى المصنف رحمه اللّه كلامه على ما هو المتفق عليه بين الأئمة وفي الكشاف فإن قلت الكافر يقذف فيتوب عن الكفر فتقبل شهادته بالإجماع والقاذف من المسلمين يتوب عن القذف فلا تقبل شهادته عند أبي حنيفة رحمه اللّه كأنّ القذف مع الكفر أهون من القذف بعد الإسلام قلت المسلمون لا يعبؤون بسب الكفار لأنهم شهروا بعداوتهم والطعن فيهم بالباطل فلا يلحقه بقذف الكافر من الشين ما يلحقه بقذف مسلم مثله فشدّد على المسلمين ردعا وفي الفرائد أبو حنيفة لا يحتاج إلى هذا الجواب الضعيف والكافر إنما قبلت شهادته بعد الإسلام لأنها غير شهادة الكفر