سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَزَفِيراً
صوت تغيظ شبه صوت غليانها بصوت المغتاظ وزفيره وهو صوت يسمع من جوفه هذا وإنّ الحياة لما لم تكن مشروطة عندنا بالبنية أمكن أن يخلق اللّه فيها الحياة فترى وتتغيظ وتزفر وقيل إنّ ذلك لزبانيتها فنسب إليها على حذف المضاف
وَإِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً
في مكان ومنها بيان تقدّم فصار حالا
ضَيِّقاً
لزيادة العذاب فإنّ الكرب مع الضيق والروح مع السعة ولذلك وصف اللّه الجنة بأن عرضها السماوات والأرض
مُقَرَّنِينَ
قرنت أيديهم إلى أعناقهم بالسلاسل
دَعَوْا هُنالِكَ
في ذلك المكان
ثُبُوراً
هلاكا أي يتمنون الهلاك وينادونه فيقولون يا ثبوراه تعال فهذا حينك
لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً
فيقال لهم ذلك
وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً
لأنّ عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدّته أو لأنه يتجدّد لقوله تعالى :
كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها لِيَذُوقُوا الْعَذابَ
أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور
قُلْ أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ
شرح
في هذه الآية قاله الراغب وإليه أشار المصنف . وقيل إنه أراد بالسماع مطلق الإدراك أو هو من قبيل متقلدا سيفا ورمحا فيقدر وأدركوا تغيظا وزفيرا . قوله : ( شبه صوت غليانها ) على أنّ الاستعارة تصريحية أو مكنية أو تمثيلية كما يظهر بأدنى تأمّل والبنية الجسد واشتراطها بذلك ممنوع وأمّا كون نار الآخرة ذات بنية فمكابرة وقوله : على حذف المضاف أو الإسناد المجازي . وقوله : في مكان إشارة إلى أنه منصوب على الظرفية . وقوله : تقدّم فصار حالا قاعدة كلية . وهي أنّ كل جار ومجرور بعد نكرة فهو صفة فإذا تقدّمت صارت حالا . وجوّز بعضهم تعلقه بألقوا وقوله : لزيادة العذاب بيان لوجه ضيقه . والروح بالفتح الراحة وقوله :
يتمنون الخ يعني المراد بالدعاء هنا النداء والنداء مجاز عن التمني فإنه قد يستعمل له كما صرحوا به في نحو :يا نسيم الشمال بلغ سلاميلكن إذا كان التمني على ظاهره بأن تمنوا الهلاك ليسلموا مما هو أشدّ منه كما قيل أشدّ من الموت مما يتمنى معه الموت فظاهر . وإن كان مجازا كما قرروه في قوله يا حسرتا على ما فرّطت فلا يخلو من إشكال غير كونه مجازا على المجاز فتأمّل . قوله : ( فيقال ) يعني أنه معمول لقول معطوف على ما قبله وإضماره كثير جائز وقوله : لأنّ الخ يعني كثرته لتعداد أنواعه المتوالية وقوله : كل نوع الخ فالمراد بالثبور المهلك وإن كان أصل معناه الهلاك فالحاصل أنّ كثرته بتوالي أنواعه وقوله : أو لأنه يتجدّد إشارة إلى جواز اتحاده فكثرته باعتبار تجدّد أفراده وقوله : أو لأنه لا ينقطع فكثرته كناية عن دوامه لأنّ الكثير شأنه ذلك كما قيل في ضدّه وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة . وقيل المراد بكون كل نوع منها ثبورا أنها محل وسبب للدّعاء بالثبور أو الدعاء بألفاظ ثبور كثيرة كيا لهفاه ويا حسرتاه . فوصف الثبور بالكثرة لكثرة الدعاء أو المدعوّ به وهو لا يناسب النظم ولا كلام المصنف رحمه اللّه لأنه كان الظاهر حينئذ أن يقال