كانَ غَفُوراً رَحِيماً
فلذلك لا يعجل في عقوبتكم عن ما تقولون مع كمال قدرته عليها واستحقاقكم أن يصب عليكم العذاب صبا
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ
ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه استهانة وتهكم
يَأْكُلُ الطَّعامَ
كما نأكل
وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ
لطلب المعاش كما نمشي والمعنى إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإنّ تميز الرسل عمن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه بقوله تعالى :
قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ *
لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً
لنعلم صدقه بتصديق الملك
أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ
فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش
أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها
هذا على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل أن يكون له بستان كما للدّهاقين والمياسير فيتعيش بريعه وقرأ حمزة والكسائيّ بالنون والضمير للكفار
وَقالَ
شرح
العالمين لا بعض أساطير الأوّلين . وقوله : فلذلك الخ بيان لمطابقة الخاتمة للمعنى فإنه كان الظاهر إنه عليم ونحوه بأنّ ما تقدّمه في معنى الوعيد فعقبه بما يدل على قدرته على الانتقام منهم كناية لأنه لا يوصف بالمغفرة والرحمة إلا القادر أو هو تنبيه على استحقاقهم للعذاب ولكنهم لم يعاجلوا به لمغفرته ورحمته . قوله تعالى : (ما لِهذَا الرَّسُولِالخ ) في الكشاف وقعت اللام مفصولة عن هذا في خط المصحف وهو سنة لا تغير وكذا هي في مواضع أخر ذكرت في شرح الرائية والاستهانة تؤخذ من الإشارة المفيدة للتحقير والتهكم من تسميته رسولا لأنهم أرادوا ما لهذا الزاعم أنه رسول وقوله يأكل الطعام جملة حالية ويجوز فيها الاستئناف .
وقوله : لطلب المعاش إشارة إلى أنّ مشيه في الأسواق كناية عن الاحتياج المنافي للرسالة بزعمهم والعمة في البصيرة كالعمى في البصر فقوله وقصور الخ تفسير له أو هو بمعنى الحيرة والضلال . وقوله فإنّ الخ تعليل لقصور النظر والعمة . والأحوال النفسانية ما جبله اللّه عليه من الكمال . وضمير فيكون للملك ومعه للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ويجوز عكسه وهو منصوب في جواب التحضيض . وقوله : لنعلم صدقه بيان لأنه ليس المراد مجرد نزوله بل تصديقه له برؤيتهم له ومشاركته له في الإنذار ويستظهر بمعنى يتقوّى وعدل إلى المضارع للدلالة على أنّ الكنز الملقى يبقى ويستمر عنده لعدم نفاده بخلاف الإنزال وكذا ما بعده . قوله : ( هذا على سبيل التنزل ) أي قوله أو تكون له جنة الخ وفي الكشاف إنّ أكل الطعام والمشي في الأسواق عنوا به أنه كان يجب أن يكون ملكا مستغنيا عن الأكل والتعيش وما بعده تنزل منهم عن ملكيته إلى صحبة ملك له يعينه ثم نزلوا عنه إلى كونه مرفودا يكنز ثم قنعوا بكونه له بستان فجعل الثلاثة تنزلا والمصنف خصه بالأخير فخالفه لأنّ ما قبله استئناف في جواب سؤال هو أنه كيف يخالف حاله حالكم كما يشهد له قطعه عنه كما قيل وقيل إنه لا مخالفة بينهما وذكره التنزل هنا ليس لنفي التنزل فيما قبله بالكلية لأنّ ما قبله لا يدفع اعتراضهم بعدم مخالفته لهم في الأكل والمشي