تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
واستكبارهم واستكان استفعل من الكون لأنّ المفتقر انتقل من كون إلى كون أو افتعل من السكون أشبعت فتحته وليس من عادتهم التضرّع . وهو استشهاد على ما قبله
حَتَّى إِذا فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً ذا عَذابٍ شَدِيدٍ
يعني الجوع فإنه
شرح
استكانوا الخ أي ما خضعوا ولا تضرّعوا بعده وقوله أقاموا ليس فيه ترجيح لكونه من الكون كما قيل وقوله : يعني القتل يوم بدر يدلّ على أنّ هذه الآيات من قوله حتى إذا أخذنا مترفيهم مدنية وأمّا كونه إخبارا عن المستقبل بالماضي فبعيد . قوله : ( واستكان ) هو بمعنى ذل وخضع بلا خلاف فمعنى استكانوا انتقلوا من كون العمة والتحير إلى كون الخضوع وإنما الخلاف في وزنه هل هو استفعل من الكون أي انتقل من كون إلى كون كاستحال إذا انتقل من حال إلى حال كما في الكشاف وأورد عليه أنه كان عليه أن يمثل باستحجر الطين واستنوق الجمل وأمّا تمثيله باستحال للدلالة على التحوّل فوهم لأنه ليس إفادته للتحوّل من صيغة الاستفعال بل من مادّته كما في تحوّل وحال فاستفعل فيه بمعنى فعل وهو أحد أقسامه وإن استكان وإن أفاد انتقاله من كون إلى كون فليس حمله على أنه انتقال من كبر إلى خضوع بأولى من عكسه فلو كان من الكون كان مجملا وأجيب بأنها بحسب الوضع لكن العرف والاستعمال خصها بأحد الاحتمالين بالغلبة فيه وقال جدي إنها من قول العرب كنت لك إذا خضعت وهي لغة هذيلية كما ذكره أبو عبيد في الغريبين وهو أحسن الوجوه وأسلمها فاستفعل فيه بمعنى فعل كقرّ واستقرّ ولا يجوز كون استفعل فيه للمبالغة لأنّ نفي الأبلغ لا يقتضي نفي أصله وهو المراد وقيل إنه من الكين أي لحمة الفرج لذلته وردّ ما أورده أوّلا في الكشف بأنّ الحول والاستحالة وإن اتحدا في التغير إلا أنّ بينهما فرقا معنى واشتقاقا فالأوّل يلاحظ فيه معنى الانتقال وسبق حالة أخرى وإنما التغير فيه بمرور الحول المبلى لكل جدّة أو بالحول بمعنى الحركة والاستحالة تبدّل من حال إلى حال البتة وما قيل من أنه يدلّ لما في الانتصاف قول الأساس حال الشيء واستحال تغير وحال عن مكانه تحوّل إلا أنه يرد عليه أنه لا مانع من اعتبار كون استفعل من الحول للتحوّل والانتقال فيصح ذكره بهذا الاعتبار للمثال وعلى هذا ينبغي حمل كلام الكشف فلا يمنع قوله يلاحظ فيه معنى الانتقال كلام ناشئ من عدم الفهم . واعلم أنّ قوله في الانتصاف جدي المراد به ابن فارس كما صرّح به وكان رحمه اللّه دخل بغداد في زمن الناصر فجمعه بالعلماء وسألوه عما ذكر . قوله : ( أو افتعل من السكون الخ ) اعترض عليه بأمرين أحدهما أنّ الإشباع كمنتزاح في منتزح مخصوص بضرورة الشعر وبأنه لم يعهد أنه يكون في جميع تصاريف الكلمة واستكان كذلك جميع تصاريفه فهو يدلّ على أنه ليس كذلك . قوله : ( وليس من عادتهم ) معطوف على أقاموا على عتوّهم والأوّل تفسير لاستكانوا وهذا تفسير لقوله وما يتضرّعون والمعنى إنا محناهم بالعذاب الواقع بهم فلم يفد وضمنه الإشارة إلى وجه التعبير في الاستكانة بالماضي وفي التضرّع بالمضارع وأشار بقوله أقاموا الخ إلى أنه يفيد دوام النفي أيضا لأنه إذا لم يعقب المحنة استكانة لم تقع منهم أبدا فأريد به الإقامة على العتوّ بطريق الكناية فليس فيه إشارة إلى ترجيح
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 597 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي