كإسماعيل وأعقابه فآمنوا به وبكتبه ورسله وأطاعوه
أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ
بالأمانة والصدق وحسن الخلق وكمال العلم مع عدم التعلم إلى غير ذلك مما هو صفة الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام
فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ
دعواه لأحد هذه الوجوه إذ لا وجه له غيرها فإنّ إنكار الشيء قطعا أو ظنا إنما يتجه إذا ظهر امتناعه بحسب النوع أو الشخص أو بحث عما يدلّ عليه أقصى ما يمكن فلم يوجد
أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ
فلا يبالون بقوله وكانوا يعلمون أنه صلّى اللّه عليه وسلّم أرجحهم عقلا وأثقبهم نظرا
بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ
لأنه يخالف شهواتهم
شرح
ما ليس لآبائهم الأوّلين والمراد المؤمنون منهم كما صرّح به المصنف وفي الآية المتلوّة آنفا الكفرة وتوصيفهم بالأوّلين لإخراجهم لا للتأكيد كما في الوجه السابق والاستفهام إمّا إنكاريّ أو تقريريّ فتأمّل وأعقابه من بعده من أولاده كعدنان ومضر فإنّ الكفر حدث بعدهم كما يعلم من كتب الآثار وأخره لأنّ إسناد المجيء إليه غير ظاهر ظهوره في الأوّل . قوله : ( بالأمانة والصدق ) إشارة إلى أنّ الاستفهام إنكاريّ لأنهم عرفوه بما ذكر فأم للإضراب عما قبله مع الإنكار . قوله :
( فهم له منكرون ) الفاء فيه سببية لتسبب الإنكار عن عدم المعرفة فهو داخل في حيز الإنكار ومآل المعنى هم عرفوه بما ذكر فكيف ينكرونه والضمير للرسول صلّى اللّه عليه وسلّم واللام فيه للتقوية وتقديمه للتخصيص أو الفاصلة وهو على تقدير مضاف أي منكرون لدعواه وهي الرسالة من اللّه مع قيام البرهان الشاهد على خلافه مما ذكر وإليه أشار بقوله دعواه لأنه لا يمكن إنكار ذاته وهو فيهم .
قوله : ( لأحد هذه الوجوه ) المذكورة تعليل للإنكار بوجوه مذكورة في قوله أفلم يدبروا إلى هنا فإنها وجوه للإنكار ترتب عليها لا وجه له أي للإنكار غيرها إذ إنكار ما جاء به القرآن الدال على مدّعي الرسالة من اللّه إمّا من عدم تدبره والنظر في مدلوله ووجوه إعجازه أو لكونه لم يسبق مثله حتى سمعوه هم وآباؤهم أو لكون من أتى به معروفا بصفات تنافي مدّعاه كعدم علمه وصدقه وقد بين هذا بقوله فإنّ إنكار الشيء الخ وقوله بحسب النوع ناظر إلى قوله أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأوّلين وقوله أو الشخص ناظر إلى قوله أفلم يدبروا القول وأقصى ما يمكن فاعل يدلّ وهو إشارة إلى التدبر لأنه النظر في أدبار الأمور وعواقبها وغاياتها وقوله : قطعا راجع إلى الامتناع بحسب النوع أو الشخص وظنا راجع للبحث وقوله فلم يوجد أي ما يدلّ على امتناعه فلا وجه لإنكاره هذا تحقيق كلامه وتوضيح مرامه ولأرباب الحواشي هنا كلام يتعجب منه أفلم يدبّروا القول ولولا خوف الإطالة لأوردناه مع بيان ماله وعليه . قوله : ( أم يقولون به جنة ) إضراب انتقاليّ عما قبله فلذا قال فلا يبالون لأنّ ما قبله ناشئ من التقليد والمبالاة وقوله وكانوا الخ إشارة إلى أنه ناشئ من حيرتهم في عنادهم لا عن سبب وأثقب استعارة من الثقب بمعنى التنفيذ أو التنوير والمراد أشدّهم وأسدّهم نظرا . قوله تعالى :( وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كارِهُونَ )ظاهر كلام المصنف رحمه اللّه أنه عين الحق الأوّل على قاعدة إعادة المعرفة وأظهر في مقام الإضمار لأنه أظهر في الذمّ والضمير ربما يتوهم عوده للرسول ، وقيل : اللام في الأوّل للعهد وفي الثاني للاستغراق أو للجنس أي أكثرهم للحق أيّ حق كان لا لهذا الحق فقط