تركه غيره ضاع سعيه وأنه رأس الحكمة وملاكها ورتب عليه أوّلا ما هو غاية الشرك في الدنيا وثانيا ما هو نتيجته في العقبى فقال تعالى :
فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً
تلوم نفسك
مَدْحُوراً
مبعدا من رحمة اللّه تعالى
أَ فَأَصْفاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ
خطاب لمن قالوا الملائكة بنات اللّه ، والهمزة للإنكار والمعنى أفخصكم ربكم بأفضل الأولاد وهم البنون
وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلائِكَةِ إِناثاً
بناتا لنفسه وهذا خلاف ما عليه عقولكم وعادتكم
إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيماً
بإضافة الأولاد إليه وهي خاصة بعض الأجسام لسرعة زوالها ثم بتفضيل أنفسكم عليه حيث تجعلون له ما تكرهون ثم بجعل الملائكة الذين هم من أشرف الخلق أدونهم
وَلَقَدْ صَرَّفْنا
كرّرنا هذا المعنى بوجوده من التقرير
فِي هذَا الْقُرْآنِ
في مواضع منه ويجوز أن يراد بهذا
شرح
عمله الخ ) قيل إنه لا دلالة على أن التوحيد مبدأ الأمر ومنتهاه وهو غير متوجه إذ مراده كما نطق به كلامه أن فائدة الأعمال متوقفة على التوحيد فإن من عمل عملا من غير قصد أصلا عمله باطل لا يثاب عليه ومن قصد به غير اللّه كالأصنام أو الرياء كان سعيه ضائعا إذ لا يفيده شيئا فبقي أن يقصد به وجه اللّه لا غير لينفعه وهذا متوقف على معرفة اللّه تعالى وتوحيده ، ومن الناس من رده وتردّد فيه من غير محصل لكلامه . قوله : ( وإنه رأس الحكمة وملاكها ) معطوف على قوله أن التوحيد الخ الرأس معروف ويطلق على الأول والأشرف والمراد الثاني لأن الأوّل بمعنى المبدأ وقد تقدم ذكره والملاك بكسر الميم ما به البقاء فالمراد أنه أشرف الأمور وبه يكون بقاؤها وثباتها لأنه علم أنه من الحكمة بدخوله فيها ثم لما أعاد ذكره تأكيدا علم منه أنه مما يعتني به لما ذكر . قوله : ( ورتب عليه الخ ) يعني قوله مذموما مخذولا وقوله : فتلقى في جهنم الخ ، وقوله : تلوم نفسك لأنه في القيامة يشتغل كل أحد بنفسه فلا يتفرغ للوم غيره ولو سلم فيعلم منه لوم غيره بالطريق الأولى . قوله : ( والهمزة للإنكار الخ ) بمعنى أنه لم يكن ذلك من اللّه ولا يليق صدور اعتقاده بعاقل وهي مقدمة من تأخير أو داخلة على مقدر على ما تقرر والفاء على الأول لسببية الإنكار لا لإنكار السببية ، وقوله : أفخصكم تفسير لأصفاكم لأنه من كونه صافيا أي خالصا والباء داخلة على المقصور والكلام فيه معروف ؛ وقوله : بناتا لنفسه أي لتكون أولادا له لا للتزوّج ، وعبر بالإناث إظهارا لخستهنّ وقوله : خلاف ما عليه عقولكم يعني من ترك الأشرف مع القدرة عليه وعادتهم من قبل ترك البنات بوأدهن وإضافة الأولاد نسبتها وفي نسخة هنّ بدل هي باعتبار البنات والصحيح الأولى ؛ وقوله لسرعة زوالها فيحتاج إلى بقاء النوع بالتوالد وأنت ضمير زوالها العائد للبعض لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه أو لتأويله بالمتوالدة ويصح رجوعه للأجسام وقال بعض : لأنّ منها ما لا يتوالد كالفلكيات وقوله :
بتفضيل معطوف على قوله : بإضافة الأولاد وكذا ما بعده ، وما تكرهون هو البنات وأدونهم الإناث . قوله : ( كررنا هذا المعنى ) يشير إلى أنّ التصريف تكرير الشيء من حال إلى حال والمراد به التعبير عنه بعبارات ، ومفعوله محذوف أي صرفناه . قوله : ( في مواضع منه ) إشارة إلى أنّ القرآن المراد منه المجموع ، وقوله : ويجوز أن يراد بهذا القرآن إبطال إضافة البنات