الصلاة ليدلّ على أنهم بلغوا الغاية في القيام على الطاعات البدنية والمالية والتجنب عن المحرّمات وسائر ما توجب المروءة اجتنابه والزكاة تقع على المعنى والعين والمراد الأوّل لأنّ الفاعل يفعل الحدث لا المحل الذي هو موقعه أو الثاني على تقدير مضاف
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ
لا يبذلونها
إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ
زوجاتهم أو سرياتهم وعلى صلة لحافظين من قولك احفظ عليّ عنان فرسي أو حال أي حفظوها في كافة
شرح
يزكون حيث جعلت الجملة اسمية وبني الحكم على الضمير ، وعبر عنه بالاسم هكذا قيل فاقتصر من الوجوه الخمسة على الثلاثة الأول قيل لأنّ الأخيرين لا يجريان هنا لأنه إعراض هنا فلا إقامة ولأنّ التخصيص لا يعتبر هنا مع أنّ المقدّم هنا ليس بصلة كيف واللام زائدة لتقوية العمل من وجهين تقديم المعمول وكون العامل اسما ولا يخفى عليك جريان مثلهما حيث قدم مع ضعف عامله لا للتخصيص بل لكونه مصب الفائدة ويجوز فيه اعتبار التخصيص الإضافي أيضا بالنسبة إلى الإنفاق فيما لا يليق ولو قال المصنف وتقديم المعمول لكان أظهر وأقيم الفعل مقام الإيتاء المذكور في مثله في مواضع من التنزيل مبالغة لدلالته على المداومة لأنه يقال هذا فعله أي شأنه ودأبه المداومة عليه ، وذلك في قوله وصفهم بذلك إشارة إلى قوله :وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِالخ من الإعراض عن اللغو وفعل الزكاة وما بعد والطاعات البدنية معلومة من الصلاة والمالية من الزكاة . والتجنب المذكور من الأعراض عن اللغو دلالة ومن قوله :وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ[ سورة المؤمنون ، الآية : 5 ] صراحة ولم يقرن المحرّمات بالطاعات البدنية لتأخر ما يدلّ عليها فما قيل أنّ حقه التقديم على المالية إلا أنه أخره لاحتياجه إلى نوع تفصيل ولتقع المالية في جواز البدنية فإنهما كثيرا ما يذكران معا لا وجه له . والمروءة معروفة وأصل معناها الرجولية . قوله : ( والزكاة الخ ) المراد بالعين ما يعطي وفيه إيهام لطيف والمضاف أداء ونحوه ووجه العدول عن الأخصر الأظهر ما مرّ . وفاعلون مفعوله الزكاة واللام للتقوية ولم يلتفت إلى ما آثره الراغب من أنّ المعنى الذين يفعلون ما يفعلون من العبادة ليزكيهم اللّه أو ليزكوا أنفسهم على أنه لازم واللام للتعليل قيل لأنّ اقترانه بالصلاة ينادي عليه وسيأتي نظيره في سورة المعارج وقد يقال الفصل بينهما يشعر بما جنح إليه الراغب بخلافه ثمة وأيضا كون السورة مكية والزكاة فرضت بالمدينة يؤيده لئلا يحتاج إلى التأويل بما مرّ فتدبر . قوله :
( زوجاتهم أو سرياتهم ) لف ونشر وخص ما ملكت بالإناث بقرينة الإجماع وإن عمّ لفظه وجعل الزمخشريّ إطلاق ما قرينة على إرادتهنّ لإجرائهنّ مجرى غير العقلاء لقلة عقل النساء ولم يذكره المصنف رحمه اللّه لخفائه . بل ولأنه غير مسلم عنده فلا يغني عن التخصيص كما توهم لا لمعارضة قوله :مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ[ سورة النور ، الآية : 33 ] فكاتبوهم لتناوله العبيد ثمة لأنه قد يقال الضمير المذكور ثمة قرينة على العموم ونكتة الإجراء المملوكية لا الأنوثة كما سيصرّح به المصنف رحمه اللّه ولا مانع من تعدّد النكت . قوله : ( من قولك احفظ عليّ عنان فرسي ) ظاهره أنه متعدّ بعلى دون تضمين كما في الكشاف وحفظ العنان بمعنى إرساله كما في