حسبي من سؤال علمه بحالي فجعل اللّه ببركة قوله الحظيرة روضة ولم يحترق منه إلا وثاقه فاطلع عليه نمروذ من الصرح فقال إني مقرب إلى إلهك فذبح أربعة آلاف بقرة وكفّ عن إبراهيم عليه السّلام وكان إذ ذاك ابن ستة عشر سنة وانقلاب النار هواء مطيبة ليس ببدع غير أنه هكذا على خلاف المعتاد فهو إذن من معجزاته وقيل كانت النار بحالها لكنه تعالى دفع عنه أذاها كما ترى في السمندل ويشعر به قوله
عَلى إِبْراهِيمَ
وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً
مكرا في
شرح
جبهة التضرع في تراب المذلة ولذا ورد أنّ اللّه يحب الملحين في الدعاء ولكل مقام مقال .
وقوله : ولم يحترق منه إلا وثاقه الذي ربط به تخليصا له من ضيقه جملة حالية أي بعد دخول النار من غير تأثير فيه سوى ذلك جعلت النار روضة من رياض الجنة ، ومن لم يفهم مراده قال : فعلى هذا تكون النار على حالها ولا يناسب المبالغة في تبريدها والوثاق بكسر الواو اسم مفرد ما يشدّ به كالحزام وليس جمع وثيقة كما توهم ، وقوله : من الصرح إشارة إلى أنها عظيمة لا يمكن القرب منها وإنما تنظر من بعيد وقوله : فقال الخ أي فرآه جالسا مع ملك في رياضها فأمر بإخراجه فلما أتاه أكرمه فقال الخ فالفاء فصيحة : وقوله : ستة عشر الأولى ست عشرة سنة . قوله : ( وانقلاب النار الخ ) طيبة حال من النار أو صفة هواء لأنه بمعنى الريح وهي مؤنثة وبدع بكسر فسكون بمعنى مستبعد مستغرب لاستحالة بعض العناصر إلى بعض كانقلاب الماء هواء وهو كثير وقوله : هكذا أي روضة أنيقة في أسرع وقت خلاف المعتاد وإن كان غير مستبعد أيضا بالنسبة للقدرة الإلهية . وجعله معجزة إن كان نبيا حينئذ ظاهر وإلا فهو إرهاص وإطلاق المعجزة عليه كثير شائع لكن الظاهر الأوّل لأنه ظهر على يديه عليه الصلاة والسّلام وقد دعاهم إلى إبطال الكفر وعبادة الأصنام فيقتضي أنه عليه الصلاة والسّلام نبئ قبل الأربعين .
قوله : ( وقيل كانت النار الخ ) مرضه لمخالفته المرويّ وظاهر النظم وما فيه من المبالغات السالفة وقوله : ويشعر به الخ لأنّ تخصيصه بما ذكر يقتضي أنها ليست على غيره كذلك مع تأييده بأنه مخالف للمعتاد ومخالف ما مرّ لما روي أنهم قالوا إنه تخييل سحري فرموا فيها شيخا فاحترق ولذا قيل إنه متعلق بسلاما ليندفع الإشعار ظاهرا وذكر الإشعار لأنه مفهوم لقب غير معتبر . وأما قوله : إنه لم ينقل أنّ البرد أضر بغيره بل النار كما مرّ فغنيّ عن الردّ وقد قيل إنه إذا تعلق بسلاما فالإشعار بحاله لكون مؤدّاهما واحدا إذ لم يرد تعميم البرد وتخصيص السّلام . وقيل إنه تعالى نزع منها طبيعة الحرّ والإحراق وأبقاها على الإضاءة والإشراق ولا بعد فيه فإنهما خارجان عن حقيقة النار . قوله : ( كما ترى في السمندل ) وفي نسخة السمندر بالراء وفي أخرى السمند وهي لغات فيه لتلاعبهم فيه لأنه معرب وهو طائرا ودويبة كالفأر لا تحرقها النار ويجعل من ريشها أو وبرها مناديل ولا تحرقها النار ووقع في الشعر الفارسي سمندر بالراء فهي أعجمية وما عداه تعريب ، ووقع في بعض نسخ عين الحياة سندل بدون ميم ولصاحب القاموس رحمه اللّه تعالى فيه خبط في موادّ ليس هذا محل تفصيله . قال ابن خلكان ومثله السرفوت وهي دويبة تعيش في فرن الزجاج ولابن صابر فيه :