فاعِلِينَ
إن كنتم ناصرين لها نصرا مؤزرا والقائل فيهم رجل من أكراد فارس اسمه هينون خسف به الأرض وقيل نمروذ
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
ذات برد وسلام أي ابردي بردا غير ضار وفيه مبالغات جعل النار المسخرة لقدرته مأمورة مطيعة وإقامة كوني ذات برد مقام ابردي ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وقيل نصب سلاما بفعله أي وسلمنا سلاما عليه روي أنهم بنوا حظيرة بكوني وجمعوا فيها نارا عظيمة ثم وضعوه في المنجنيق مغلولا فرموا به فيها فقال له جبريل هل لك حاجة فقال أما إليك فلا فقال فسله ربك فقال
شرح
ناصرين ) يحتمل أن يريد أنّ مفعوله مقدّر أي فاعلين النصر ويحتمل أنّ الفعل المطلق كني به عن النصر أو أريد به فرد من أفراده ولو أبقى على عمومه لكان أبلغ والمعنى إن كنتم فاعلين فعلا ما فافعلوا النصر ، والمؤزر القوي الشديد وهو تحريقه لإهانتها وكان الماضية إشارة إلى أنه ينبغي تحققه منهم ونسبة القول إلى الجميع ، والقائل واحد لرضاهم به كما مرّ وقوله : قلنا مجاز عن أردنا لأنّ الإرادة سبب القول في الجملة ولأبعد في حملة على حقيقته كما قيل وقوله :
( ذات برد وسلام ) بيان لحاصل المعنى وابردي بضم الراء من باب نصر وكرم . وقوله : غير ضار لقوله : سلاما ولذا قال ابن عباس رضي اللّه عنهما أنه لو لم يقله أهلكه بردها . قوله :
( جعل النار المسخرة ) أي المنقادة لقدرته وهو إشارة إلى أنّ الأمر مجاز عن التسخير كما في قوله :كُونُوا قِرَدَةً *ففيه استعارة بالكناية بتشبيهها بمأمور مطيع وتخييلها الأمر والنداء والتسخير هنا هو التكوين والمجاز إنما هو في جعلها مأمورة . فما قيل إنه لو حمل القول على ظاهره والأمر على التكويني لم يكن استعارة وهم . قوله : ( وإقامة كوني ذات برد مقام ابردي ) لما فيه من الإجمال بكان والتفصيل بخبرها كما فصله الرضي وإفادة دوام بردها لجعلها مكوّنة منه . وقوله : حذف بصيغة المجهول أو المصدر والأوّل أظهر لقوله : أقيم وفي نسخة أقام فيكونان فعلين معلومين أو مصدرين وفيه إشارة إلى أنّ تقدير المضاف لا ينافي المبالغة لما فيه من جعله عينه ظاهرا ، ونصب سلاما بفعل معطوف على قلنا خلاف الظاهر ولذا مرضه .
والحظيرة بالظاء المعجمة محوطة معروفة . وكوثي بضم الكاف ومثلثة مقصور قرية بالعراق .
وقوله : وجمعوا فيها نارا أي حطبا وسماه نارا لأنه يؤول إليها أو سببها أو هو بتقدير مضاف أي آلة نار ونحوه والمنجنيق آلة معروفة قيل وهو أوّل ما صنع منه . قوله : ( فسله ) أي اسأل مرادك وأمرك فالضمير للحاجة بتأويلها بما ذكر وسأل قد ينصب مفعولين وقوله : حسبي من سؤالي علمه بحالي « 1 » أي يكفيني ويغنيني عن السؤال فمن بيانية مقدّمة وهذا أبلغ كما قيل :علم الكريم بحال السائلين له * منه لقاض ملح مبرم الطلب . . .فليس يسأل إلا من أساء به * ظنا ولم يتدرّع بردة الأدب . . .وهذا مقام لا ينافي دعاء الأنبياء عليهم الصلاة والسّلام وسؤالهم لإظهار الاحتياج وتعفير
هامش
( 1 ) لا أصل له في المرفوع وقد ورد عن ابن عباس ما يعارضه وتقدم في سورة آل عمران .