مِنِّي هُدىً
كتاب ورسوله
فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ
في الدنيا
وَلا يَشْقى
في الآخرة
وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي
عن الهدى الذاكر لي والداعي إلى عبادتي
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
ضيقا مصدر وصف به ولذلك يستوي فيه المذكر والمؤنث وقرئ ضنكي كسكري وذلك لأنّ مجامع همه ومطامح نظره تكون إلى إعراض الدنيا متهالكا على ازديادها خائفا على انتقاصها ، بخلاف المؤمن الطالب للآخرة مع أنه تعالى قد يضيق بشؤم الكفر ويوسع ببركة الإيمان ، كما قال :
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا
الآيات وقيل هو الضريع والزقوم في النار وقيل عذاب القبر
وَنَحْشُرُهُ
قرئ بسكون الهاء على لفظ الوقف وبالجزم عطفا على محل فإنّ له معيشة ضنكا لأنه جواب الشرط
يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى
أعمى البصر أو القلب ويؤيد الأوّل
قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً
وقد أمالهما حمزة والكسائيّ لأنّ الألف من الياء وفرق أبو عمرو بأنّ الأول رأس الآية ومحل الوقف فهو جدير بالتغيير
قالَ كَذلِكَ
أي مثل
شرح
عباس رضي اللّه عنهما الهدى القرآن وخصصه به وعممه في سورة البقرة والقصة واحدة لقيام القرينة عليه وهي قوله :وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي[ سورة طه ، الآية : 124 ] وقوله :كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها[ سورة طه ، الآية : 126 ] ووجه التأييد أنّ التقسيم لا يستقيم بالنسبة إلى كل من النوعين وإذا أريد به ذرّية آدم عليه الصلاة والسّلام لا يخدشه دخول النوع الآخر في أحد قسميه مع أنّ دخوله فيه غير ظاهر لأنّ قوله من أعرض يقتضي تجدّد إعراضه بعد هذه القصة ونوع إبليس ليس كذلك ووصفه بضنك المعيشة غير مراد أيضا فتأمّل . قوله : ( فلا يضل في الدنيا الخ ) فمره بما ذكر لأنه المتبادر منه مع تقابل القسمين في الترتيب وأمّا العكس بأنّ يراد فلا يضل طريق الجنة ولا يشقى أي لا يتعب في معيشته وإن قدّم فيه أمر الآخرة لأنه مطمح نظرهم فتكلف وفسر الذكر بالهدى لوقوعه في مقابلة قوله فمن اتبع هداي وبين بقوله الذاكر كوجه التجوّز فيه بأنّ الهدى سبب ذكره ، فأطلق المسبب وأريد سببه ثم بين أنّ المراد بكونه ذاكرا له أنه داع لعبادته ، فهو عطف تفسيري مبين لأنّ المراد بالذكر العبادة فإنه شاع فيها ، وقوله ضيقا إشارة إلى أنه مصدر مؤوّل بالوصف ، ولذا أنث في قراءة والتذكير باعتبار أصله ، وقوله وذلك أي ضنك معيشته وضيقها لحرصه ومحبته للدنيا يغلب عليه الشح ، وتضييق المعيشة بخلاف المؤمن فإنه ينفق ما في يده ويسمح به ، كما قال تعالى :فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً[ سورة النحل ، الآية : 97 ] وقوله مع أنه الخ توجيه آخر بإبقائه على ظاهره والمسكنة الفقر أو أشدّه وقوله : ولو أنهم أقاموا الآية تمامها :لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ[ سورة المائدة ، الآية : 66 ] أي لوسع رزقهم وكذا قوله في الآية التي بعدها :لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ[ سورة الأعراف ، الآية : 96 ] وقال بعض المشايخ لا يعرض أحد عن ذكر ربه إلا أظلم عليه وقته وتشوّش عليه رزقه وإذا فسر بالضريع ونحوه فهو في الآخرة وأخره مع ما بعده لبعدهما . قوله : ( بسكون الهاء على لفظ الوقف ) أقحم لفظا إشارة إلى أنه أجرى فيه الوصل