ذلك كان في بدء أمره ، قبل أن يجرّب الأمور ويذوق شريها وأريها ، وعن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « لو وزنت أحلام بني آدم بحلم آدم لرجح حلمه » وقد قال اللّه تعالى :
وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً
وقيل عزما على الذنب لأنه أخطأ ولم يتعمده ولم نجد إن كان من الوجود الذي بمعنى العلم فله عزما مفعولاه وإن كان من الوجود المناقض للعدم فله حال من عزما أو متعلق بنجد
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ
مقدّر باذكر أي اذكر حاله في ذلك الوقت ليتبين لك أنه نسي ولم يكن من أولي العزيمة والثبات
فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ
قد سبق القول فيه
أَبى
جملة مستأنفة لبيان ما منعه من السجود وهو الاستكبار ، وعلى هذا لا يقدّر له مفعول مثل السجود المدلول عليه ، بقوله فسجدوا لأنّ المعنى أظهر الإباء عن الطاعة
فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ
شرح
فهو اعتذار عما صدر منه ، والشرى بفتح المعجمة وسكون الراء المهملة الحنظل والأري العسل وهو إمّا استعارة تمثيلية لمزاولة الأمور أو الشرى مستعار للصعب ، والأري للسهل استعارة تصريحية ويذوق ترشيح ، وهو مثل ضرب للمزاولة ، والأحلام العقول جمع حلم والمراد بوزنها مقايستها ، والرجحان « 1 » بمعنى الزيادة هنا يعني أنه مع زيادة عقله قد نسي ، ولم يصمم أمره فكيف بغيره . قوله : ( وقيل عزما على الذنب ) مرضه لعدم تبادره ومناسبته للمقام ولأن محصله أنه نسي فيتكرّر مع ما قبله ؛ وقوله : مقدّر باذكر قد مرّ تحقيق أمثاله ، قيل وهو معطوف حينئذ على مقدّر أي اذكر هذا واذكر إذ الخ أو من عطف القصة على القصة وتحقيق الاستثناء واتصاله وانفصاله مرّ تفصيله . قوله : ( وهو الاستكبار ) أصل معنى الإباء الامتناع أو شدّته وإذا كان لا زما فالمراد منه الإباء عن الطاعة وهو إنما يكون في الأكثر من التكبر فجاز دلالته عليه بطريق الكناية أو المجاز حيث لم يذكر معه الاستكبار كما في قوله : أبى واستكبر فإذا جمع بينهما فهو بمعناه الحقيقي فلذا اقتصر تارة على أبي وتارة على استكبر وجمع بينهما أخرى وإلى هذا أشار القائل : يرشدك إلى هذا قوله في سورة ص استكبر بدل أبى فلا يعارضه قوله :أَبى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَفإنه يدلّ على تقدير المفعول ، والتكبر أي يرى الإنسان نفسه أكبر من غيره ، والاستكبار طلبه والتشبع به ، وقوله : عن الطاعة وقع في نسخة عن المطاوعة . قوله تعالى : (عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ) أعاد اللام لأنه لا يعطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار . وما قيل إنه للدلالة على أنّ عداوته لها أصالة لا تبعا ردّ بأنه أمر لازم لما مرّ فلا يفيد هذه النكتة نعم لو قال عدوّ لك وعدّو لزوجك اتجه ما ذكره ولم يسبق للزوجة ذكر حتى يقال إنه يمكن أن لا يعاد الجار ويقال لكما فتئم الدلالة نعم كونه أمرا لازما بحسب القاعدة النحوية لا ينافي قصد إفادة ما يقتضيه المقام ، ولذا جعل في المفتاح تنكير التمييز في قوله : اشتعل الرأس شيبا لإفادة المبالغة مع أنّ التنكير لازم للتمييز ، وقال الشريف : وكون التنكير لازما للتمييز لا ينافي قصد التعظيم وإفادة المبالغة ، وفيه نظر لأنّ التمييز قد يعرف كما في سفه نفسه
هامش
( 1 ) أخرجه الديلمي في الفردوس 5147 من حديث أبي أمامة ، وإسناده ضعيف جدا .