تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 328

مساهمون:

ص٣٢٨
وإن جعل مفعولا له لفظا أو معنى فلا لأنّ الشيء لا يعلل بنفسه ولا بنوعه
مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى
مع ما بعده إلى قوله له الأسماء الحسنى تفخيم لشأن المنزل بعرض تعظيم المنزل بذكر أفعاله وصفاته على الترتيب الذي هو عند العقل فبدأ بخلق الأرض والسماوات التي هي أصول العالم ، وقدّم الأرض لأنها أقرب إلى الحس وأظهر عنده من السماوات العلى ، وهو جمع العليا تأنيث الأعلى ثم أشار إلى وجه أحداث الكائنات وتدبير أمرها بأن قصد العرش ، فأجرى منه الأحكام والتقادير وأنزل منه الأسباب على ترتيب ومقادير حسب ما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فقال :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى * لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما وَما تَحْتَ الثَّرى
ليدلّ بذلك على كمال قدرته وإرادته . ولما كانت القدرة تابعة للإرادة وهي لا تنفك عن العلم عقب ذلك بإحاطة علمه تعالى بجليات الأمور وخفياتها على سواء فقال :
وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفى
أي وإن تجهر بذكر اللّه
شرح
التعليل . قوله : ( لأنّ الشيء لا يعلل بنفسه ) إن كان التنزيل والإنزال ، بمعنى بحسب الوضع ولا بنوعه إن كان الإنزال عامّا والتنزيل بالتدريجي فإنّ البدل هو المقصود فيصير المعنى أنزلناه لأجل التنزيل وعلى الحالية فهي حال مؤكدة لا موطئة كما في بعض شروح الكشاف وإن وجه بأنّ مراد قائله أنها كالموطئة لأنه لو اكتفى بقوله : ممن خلق الخ كفى . قوله : ( مع ما بعده ) خبر مبتدأ محذوف أي هذا مع ما بعده ، والتفخيم لشأن المنزل وهو اللّه جل وعلا أي تعظيمه بذكر مخلوقاته العظيمة ولذا وصف السماوات بالعلى ؛ وقوله : بعرض الظاهر أنه بضم فسكون بمعنى التعريض به على طريق الكناية كما في بعض الحواشي والباء فيه للمصاحبة أو السببية ومن فسره بإظهار تعظيمه جعله بفتح العين وسكون الراء والظاهر الأوّل ، وقوله : الذي هو عند العقل لأنه يدرك أفعاله أولا ثم يستدل بها على سائر صفاته ولذا قدّم الخلق وثنى بالرحمة التي تنال الموجودات قبل كل شيء لأنّ الخلق منها وليس الترتيب بحسب الوجود فإنه بعكسه ولذا قدّم الأرض كما أشار إليه والعليا بضم العين والقصر كالكبرى وقوله : بأن قصد الخ إن كان المعنى بأن ذكر قصده لذلك فهو متعلق بأشار وإلا فهو خبر مبتدأ محذوف أي وهو بأن قصد الخ وإجراء الكلام والتقادير بناء على أنّ قوله : على العرش استوى تمثيل لإجرائه ذلك ، كالملك إذا جلس على سرير ملكه لتنفيذ أوامره ونواهيه ، وقيل : إنه من إطلاق العرش على المحيط تشبيها له بسرير ملك يصدر أمره ونهيه عليه . قوله : ( ليدل بذلك على كمال قدرته الخ ) كمال القدرة والإرادة مأخوذ من قصد ما ذكر كما مرّ بيانه ، وقوله : ولما كانت القدرة الخ قيل عليه إنه لا مدخل لتبعية القدرة للإرادة في ترتيب الجزاء على الشرط بل يكفي فيه وجود الإرادة المعلوم مما سبق وكان وجهه أنّ ما في النظم يدلّ بصريحه على كمال القدرة كما يدلّ عليه قوله : أولا حسبما اقتضته حكمته وتعلقت به مشيئته فتأمّل ؛ وقوله : بجليات الأمور وخفياتها إشارة إلى أنّ قوله : السرّ وأخفى كناية عما ذكر ، وقوله : عقب ذلك أي القول المذكور ببيان إحاطة علمه . قوله : ( أي وإن تجهر بذكر اللّه ودعائه فاعلم الخ ) أشار بقوله : فاعلم إلى أنّ ما ذكر لا يصلح