وانتصابهما على الاستثناء المنقطع ولا يجوز أن يكون بدلا من محل لتشقى لاختلاف
شرح
وأيضا لك أن تعتبر التذكرة من جنس الشقاء لاشتمالها عليه فكأنها متحدة معه فتجوز البدلية ، وهذا من قلة التدبر فإنّ اتباع الاستثناء لما قبله كما صرّحوا به إنما هو في المتصل بطريق البدلية البعضية ، وقيل : إنها بدل كل من كل ولم يقل أحد إنه يكون بدل اشتمال وتقدير الدخول فيه لا يجعله متصلا فهذا كله من ضيق العطن فتدبر ، وليس المراد باختلاف الجنسين جنسي الإعراب لأنّ أحدهما لفظي والآخر محليّ كما توهمه أبو حيان فردّ على الزمخشريّ فيه وما ذكره الشيخان هو ما ذهب إليه أبو عليّ الفارسي نعم قيل إنه يصح فيه البدلية من القرآن . قوله :
( ولا مفعولا له لأنزلنا الخ ) هو ردّ على الكشاف تبع فيه أبا البقاء حيث جوّز فيه أن يكون مفعولا له وقال : كل واحد من لتشقى وتذكرة علة للفعل ، إلا أنّ الأوّل وجب مجيئه مع اللام لأنه ليس لفاعل الفعل المعلل ففاتته شريطة الانتصاب على المفعولية والثاني جاز قطع اللام عنه ونصبه لاستجماعه الشرائط ، وما علل به الردّ ليس بشيء لأنه يجوز أن يعلل الفعل بعلتين ، وإنما الردّ عليه بأنه لا يعمل عامل واحد في معمولين من جنس الفضلات بدون عطف أو بدلية ، كما قيل ولك أن تقول أنه مراده وليس في كلامه ما يأباه ويدفع بما في الكشف من أنّ المعنى ما أنزلناه عليك لتحتمل مشاقه ومتاعبه إلا ليكون تذكرة ، وحاصلة أنه نظير ما ضربتك للتأديب إلا إشفاقا ويرجع المعنى إلى ما أدّبتك بالضرب إلا للإشفاق ، كذلك المعنى هنا ما أشقيناك بإنزال القرآن ، إلا للتذكرة أو إلا حال كونه مذكرا ، وما يتوهم أنّ قوله : لتشقى على هذا ظرف مستقرّ أي ما أنزلنا القرآن الكائن لشقائك وتعبك إلا للتذكرة مضمحل بما مثلناه ، وحاصله حسبك ما حملته من متاعب التبليغ ولا تنهك بدنك ففي ذلك بلاغ ا ه . والحاصل أنه يجوز تعدّد العلة بدون عطف وإبدال إذا اختلفت جهة العمل فيهما كما هنا فإنّ أحدهما جار ومجرور والآخر مفعول له وإن اقتضى كلام المعرب خلافه فإنه غير مسلم ، كما اقتضاه كلامهم في غير هذا المحل ، وفي كلام الزمخشريّ هنا إشارة إليه حيث جعله مفعولا صريحا لا على إسقاط اللام ، وإذا اتحدت وكانت إحداهما علة للفعل والأخرى علة له بعد تعليله فيكون تعليلا لمجموعهما نحو أكرمته لكونه غريبا لرجاء الثواب فإنّ الغريب إكرامه لغربته ورجاء الثواب علة لإكرام الغريب ، أو لكون العلة الثانية علة للعلة الأولى نحو لا يعذب اللّه التائب لمغفرته له لإسلامه إذا تعلقا بالفعل المنفيّ إذ لا يلزم تعلقه بالمغفرة وإن صح فالأولى علة لعدم العذاب والثانية للمغفرة وهما يرجعان إلى تغاير المتعلق تقديرا بالإطلاق والتقييد على القاعدة السابقة في أكلت من بستانك من عنبه ، وهذا مراد المدقق فاحفظه فإنه نفيس ، وأمّا ما قيل من أنه ما المانع من جواز تعديته إلى أحدهما باعتبار النفي وإلى الآخر باعتبار الإثبات وقد جوّز تعلق الحرفين المتماثلين بأفعل التفضيل باعتبارين ثم لا يجوز أن يكون التعليل الثاني للعلة الأولى لا لنفس الفعل المعلل بأن يكون الفعل المعلل بالشقاء معللا بالتذكرة بطريق الحصر بالنفي والاستثناء ، والأولى أن يعلل بفقدان المستثنى منه على هذا الاحتمال إذ لا مجل للتفريغ لمكان