أهلكناها بإهلاك أهلها وتخريب ديارهم
وَكَمْ أَهْلَكْنا
وكثيرا أهلكنا
مِنَ الْقُرُونِ
بيان لكم وتمييز له
مِنْ بَعْدِ نُوحٍ
كعاد وثمود
وَكَفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً
يدرك بواطنها وظواهرها فيعاقب عليها وتقديم الخبير لتقدّم متعلقه
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْعاجِلَةَ
مقصورا عليها همه
عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَنْ نُرِيدُ
قيد المعجل والمعجل له بالمشيئة والإرادة لأنه لا
شرح
بمعنى الكلام وهو الوعيد السابق والفاء للتعقيب . قوله : ( بإهلاك أهلها ) إشارة إلى التقدير أو بيان المراد من التدمير ، وهو الإهلاك مع طمس الأثر وهدم البناء كما في البحر . قوله : ( وكثيرا الخ ) إشارة إلى أن كم خبرية ، وقوله : وتمييز له أي مجرور بمن البيانية لا زائدة فقوله : من بعد نوح من فيه لابتداء الغاية فلذا جاز اتحادها مع ما قبلها متعلقا وخصه بالذكر ولم يقل من بعد آدم عليه الصلاة والسّلام لأنه أوّل رسول أذاه قومه فاستأصلهم العذاب ، ففيه تهديد وإنذار للمشركين ، وقوله : يدرك الخ تفسير لهما على اللف والنشر المرتب . قوله : ( وتقديم الخبير ) أي لفظا على بصير التقدّم متعلقه وهو المعلوم منه تقدّما وجوديا على الأمر الظاهري لأنه ينشأ عنه غالبا ، وقيل إنه تقدّم رتبي لأنّ العبرة به ، كما في الحديث أنّ اللّه لا ينظر إلى صوركم وأعمالكم وإنما ينظر إلى قلوبكم ونياتكم « 1 » ونحوه ، ثم إنه قال في الكشاف إنه نبه بقوله :
وكفى بربك بذنوب عباده الخ على أنّ الذنوب هي أسباب الهلكة لا غير ، والمصنف رحمه تركه لخفائه وقد بينوه بأنه لما عقب إهلاكهم بعلمه بالذنوب علما أتم دل على أنه جازاهم بها ، وإلا لم ينتظم الكلام وأمّا الحصر فلأنّ غيرها لو كان له مدخل كان الظاهر ذكره في معرض الوعيد ثم لا يكون السبب تامّا ويكون الكلام ناقصا عن أداء المقصود فلزم الحصر ، وهو المطلوب ، ومنه يعلم ما قيل متعلقه بذنوب عباده ويرد عليه أنه متعلق ببصيرا أيضا على التنازع . قوله : ( مقصورا عليها همه ) في الكشاف كالكفرة وأكثر الفسقة ، وأسقطه المصنف رحمه اللّه لابتنائه على مذهبه ، والقصر مأخوذ من المقابلة فإنه جعله قسيم من أراد الآخرة فلو أرادهما لم يصح التقسيم وإنما قال : كالكفرة وأكثر الفسقة لأنه اعتبر في المقابل الإيمان والسعي لها حق السعي كذا في الكشف وفيه نظر ، وقيل إنه مأخوذ من كان فإنها تدل في مثله على الاستمرار ولأنه قسيم والقسمة تنافي الشركة ، ولقوله جعلنا له جهنم الخ فإنّ مريدهما ليس كذلك وهو ملحق بالقسم الثاني ، ولا يخفى أنّ إلحاقه بالثاني ينبو عنه قوله حقها من السعي فلذا قيل إنه سكوت عنه ولا ضير فيه ، وقيل إنه مأخوذ من الإرادة لأنها عقد القلب وتمحض النية وهو بعيد . قوله : ( قيد المعجل ) في قوله : ما نشاء ، والمعجل له في قوله : لمن نريد ،
هامش
( 1 ) صحيح ، أخرجه مسلم 2564 ح 33 - 34 ، وأحمد 2 / 539 و 284 ، 285 ، وفي الزهد ص 59 وابن ماجة 4143 ، والبغوي 4150 ، وابن حبان 394 ، وأبو نعيم في الحلية 7 / 124 و 4 / 98 كلهم من حديث أبي هريرة .