قصتها
إِذِ انْتَبَذَتْ
اعتزلت بدل من مريم بدل الاشتمال لأنّ الأحيان مشتملة على ما فيها أو بدل الكل لأنّ المراد بمريم قصتها وبالظرف الأمر الواقع فيه وهما واحد أو ظرف لمضاف مقدّر وقيل : إذ بمعنى أن المصدرية كقولك : لا أكرمتك إذ لم تكرمني فتكون بدلا لا محالة
مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا
شرقيّ بيت المقدس أو شرقي دارها ولذلك اتخذ النصارى المشرق قبلة ومكانا ظرف أو مفعول لأنّ انتبذت متضمن معنى أنت
فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً
سترا
فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا
قيل قعدت في مشرقة للاغتسال من الحيض متحجبة بشيء يسترها ، وكانت تتحوّل من المسجد إلى بيت خالتها إذا حاضت ، وتعود إليه إذا طهرت فبينما هي في مغتسلها أتاها جبريل عليه السّلام متمثلا بصورة شاب أمرد سويّ الخلق لتستأنس بكلامه ولعله لتهيج شهوتها به فتنحدر نطفتها إلى
شرح
هو مفهوم من السياق وذكر مريم كما سيذكره المصنف ، وانتبذ افتعال من النبذ وأصل معناه الطرح ثم أريد به الاعتزال لقربه منه . قوله : ( بدل من مريم يدل الاشتمال ) وفيه تفخيم لقصتها العجيبة وإنما جعل بدلا لأنه لا يصح أن يكون ظرفا لا ذكر وأمّا قوله أبي البقاء : إنّ الزمان إذا لم يقع حالا من الجثة ولا خبرا عنها ولا صفة لها لم يكن بدلا منها فرده المعرب بأنه لا يلزم من عدم صحة ما ذكر عدم صحة البدلية ألا ترى سلب زيد ثوبه فالبدل فيه لا يصح فيه ما ذكر مع صحته بلا شبهة وإنما امتنع هناك لتغايرهما والوصف والخبر والحال لا بدّ من تصادقهما ، فالفرق ظاهر ، وقوله : لأنّ الأحيان الخ فالثاني هو المشتمل كسلب زيد ثوبه ، وقد يعكس كأعجبني زيد علمه ، وقوله : لأنّ المراد بمريم قصتها لأنه ليس المراد بذكر مريم إلا ذكر قصتها ، وقوله : وبالظرف لا يخفى بعده ، والمضاف المقدّر قصة ونحوه ، وكون إذ مصدرية ذكره أبو البقاء وهو قول ضعيف للنحاة ، وقوله : لا أكرمتك إذ لم تكرمني أي لعدم إكرامك لي والظاهر أنها ظرفية أو تعليلية إن قلنا به ، وقوله : فتكون أي إذا انتبذت على هذا القول وهو بدل اشتمال أيضا ، وكون مشرق الشمس قبلة النصارى مرّ الكلام عليه . قوله تعالى : (فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً) مشتق من المثال أي تصوّر وأصله أن يتكلف أن يكون مثالا لشيء ، وبشرا جوّز في إعرابه وجوه الحالية المقدّرة والتمييز والمفعولية بتضمينه معنى اتخذ ولهم كلام في كيفية التمثيل هل ما زاد من أجزائه يفنى أو يذهب ثم يعود أو يتداخل ويتصاغر أو يخفيه اللّه عن النظر والظاهر أنها احتمالات عقلية والأولى التوقف في مثله والمشرقة مثلثة الراء محل شروق الشمس والقعود فيه شتاء . قوله : ( متمثلا بصورة شابّ أمرد الخ ) اعترض عليه بأنّ فيه هجنة ينبغي أن تنزه مريم عنها وأنه مناف لمقتضى المقام وهو إظهار آثار القدرة الخارقة للعادة كما قال : كآدم خلقه من تراب الآية ويكذبه قوله : قالت إني أعوذ الخ وإنما وجهه أنها رأته بهيئة صغير السنّ مأنوس لئلا تنفر عنه ولا تسمع كلامه وقد أريد إعلامها وليظهر للناس عفتها وزهدها إذ لم ترغب في مثله ولأنّ الملك كلما تمثل تمثل بصور بشر جميل كما كان يأتي النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في صورة دحية رضي اللّه عنه فأمّا كونه خارقا للعادة فلا يرد عليه لأنه ليس من أب