تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
رحمها
قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ
من غاية عفافها
إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا
تتقي اللّه وتحتفل بالاستعاذة وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فإني عائذة منك أو فتتعظ بتعويذي أو فلا تتعرّض لي . ويجوز أن يكون للمبالغة أي إن كنت تقيا متورّعا فإني أتعوّذ منك فكيف إذا لم تكن كذلك
قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ
الذي استعذت به
لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً
أي لأكون سببا في هبته بالنفخ في الدرع ، ويجوز أن يكون حكاية لقوله تعالى ويؤيده قراءة أبي عمرو والأكثر عن نافع ويعقوب بالياء
زَكِيًّا
طاهرا من الذنوب أي ناميا على الخير أي مترقيا من سنّ إلى سنّ على الخير والصلاح
قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ
ولم يباشرني رجل بالحلال فإنّ هذه الكنايات إنما تطلق فيه أما الزنا فإنما يقال فيه : خبث
شرح
ويكفي مثله والولد لا يحصل من نطفة واحدة ، وأمّا الهجنة فقبيحة ولو تركها كان أولى وكأنه أراد أنه وقع كذلك ليكون مظنة لما ذكر ثم يظهر خلافه فيكون أقوى في نزاهتها فتأمّل . قوله : ( بالرحمن ) قيل : خصته تذكيرا له بالجزاء لينزجر فإنه يقال يا رحمن الآخرة وليس بشيء لأنه ورد رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما كما مرّ بل طلبت تذكيره بالرحمة ليرحم ضعفها وعجزها عن دفعه ، وتحتفل بمعنى تبالي ، والمقصود مما ذكر زجره ، وقوله : فتتعظ الظاهر إسقاط الفاء حتى لا يحتاج إلى جعله مرفوعا بتقدير مبتدأ لأنّ المضارع لا يقترن بالفاء . قوله : ( ويجوز أن تكون للمبالغة الخ ) وجه المبالغة أنها إذا استعاذت به في حال تقواه فقد بالغت في الاستعاذة كما لا يخفى والظاهر أنها على هذا إن الوصلية وفي مجيئها بدون الواو كلام وهي جملة حالية المقصود بها الالتجاء إلى اللّه من شرّه لا حثه على الانزجار وما قيل إنه مقتضى المقام غير مسلم لأنه لا يناسب التقوى ، ولو كانت مفروضة والذي استعذت به بكسر تاء الخطاب صفة ربك ، وقوله : في الدرع أي القميص إشارة إلى ردّ ما قيل إنّ النفخ في الفرج فإنه غير صحيح ولا مناسب . قوله : ( ويجوز أن يكون حكاية لقوله تعالى ) يعني أنّ الهبة إمّا مجاز عن النفخ الذي هو سببها أو حقيقة بتقدير القول أي الذي قال : أرسلت هذا الملك لأهب لك وجعل قراءة الياء مؤيدة لا دليلا لأنه لا يلزم توافق القراءتين كما مرّ ، وأمّا أنّ أصل ليهب لاهب فقلبت الهمزة ياء لانكسار ما قبلها فتعسف من غير داع له ، ويعقوب عطف على أبي عمرو لا على نافع إذ لا اختلاف في الرواية عنه ، وقوله : طاهر الخ يعني أنّ الزكاء شامل للزيادة المعنوية كالطهارة والحسية . قوله : ( فإنّ هذه الكنايات إنما تطلق فيه ) أي في النكاح الحلال فإنه محل التأدّب وفاعله يأنف من التصريح به ومرتكب الزنا لا أدب له ولا حشمة فلا يأنف من مثله ، وليس مقامه مقام الكناية بل تطهير اللسان عنه أو التقريع به ، وقد راعى المصنف رحمه اللّه هذا الأدب إذ قال : لم يباشرني دون يجامعني أو ينكحني فهو أحسن مما في الكشاف من النكاح وجمع الكناية ، وإن كان الواقع هنا واحدة منها إشارة إلى أنّ لها أخوات كلامستم النساء ودخلتم بهنّ وبنى بها إلى غير ذلك ، وخبث بضم الباء بمعنى عمل ما يكره وهو صريح ، وفجر فعل الفجور مثله وإن كان في الأصل كناية لأنه من الفجر لكنه شاع في الزنا حتى صار صريحا
حاشية الشهاب ( عناية القاضي وكفاية الراضي على تفسير البيضاوي ) — صفحة 258 | أحمد بن محمد الخفاجي / عبد الرزاق المهدي